مقال للدكتور مظهر محمد صالح .. الشام وجرار زيت الزيتون

كتابات | 558 | 1:36 م

مقال للدكتور مظهر محمد صالح .. الشام وجرار زيت الزيتون

بغداد تايمز

الشام وجرار زيت الزيتون
مظهر محمد صالح
ضاق مزارع شجرة الزيتون ذرعا بأية حكمة تتوافر في بلاد الشام والتي غاب عنها العقل، وقست القلوب، إلا حكمة واحدة أمامه، تنعى جميع الحكم، وهو ان يتطلع إلى طواحين الحرب، التي صارت عدتها مادة قتل وأداة حرب لعديد جيوشها، المشتبك بعضها مع بعض، والتي صنعت من بقايا معاصر إكسير السلام، معاصر زيت الزيتون، بخشبها وحديدها، لتصبح إكسيرا فعالا للحرب، بعد أن أمسى وقودها الحارق هو زيت السلام البارد نفسه. لجأ مزارع شجرة الزيتون، ذلك الرجل الطاعن في السن، إلى القبو، الذي تستودع فيه جرار زيت شجرة الزيتون السائل، وتستقر فيه بسلام. وهو ينتابه شعور بالخوف، امسى يؤرقه، ولا شفاء منه، إلا بعد أن يدهن جسده ببلسم الخلود، وهو الزيت المحفوظ في جراره. وعندما ولج المكان، الذي تستريح فيه أوعية الزيت تحت الأرض الباردة، لم يجد سوى ركام من حطام لأوعية، امتزج سائلها المسفوح في أرض القبو بدماء حاملي غصن الزيتون من أبنائه، من زرّاع شجرة الحياة، باستثناء تلمسه لجرة واحدة مفقودة، اختلسها أمراء الحرب والارهاب، ليصبوا الزيت على النار، كي تشعل أشجار مزرعة الزيتون، وتقلع أغصان السلام، في حرب جنودها من الغرباء ممن جاء ليقتل السلام بحرائق تضيْء الطريق إلى نهايات النفق المظلم، ولكن من دون ضوء وحتى وقت قريب . مفارقتان حادتان مررت بهما، في طفولتي وكهولتي معا، شكلتا مقدمة حادة في تفسير كيف تكسر جرار زيت الزيتون. في احدى ايام طفولتي وفي عقد من عقود القرن العشرين، انحدرت الحافلة، التي كنت أحد راكبيها مع والدي، وهي تسير رويداً بطريق صخري ملتوي يحاذي مجرى نهر الفرات، والحافلة منحدرة في مسارها حقاً نحو السهل الرسوبي وبوصلتها الدائمة هو مسار المياه المتدفقة من أعالي الفرات، والقادمة من بلاد الشام، لتصب في وادي الرافدين، وقبل أن ندخل مدينة هيت، البقعة
التأريخية العريقة، استوقفتنا نقطة تفتيش من رجال الشرطة، وبملامح حادة ومتوترة، تتناسب وتوتر العلاقات الدائمة بين البلدين الجارين، ضمن لعبة الأخوة الأعداء وقتذاك.فقد أجرت المفرزة تفتيشا دقيقا لحقائب المسافرين، الذين كانوا يرتجفون خوفاً من المجهول ، أبلغنا عريف الشرطة، المسؤول عن البحث والتحري، عن أمر أدهشني حينها ، وهو أنهم يفتشون عمن يحمل قطعة، أو أكثر، من صابون زيت الزيتون المصنوع في بلاد الشام، فالويل والثبور لمن تُكتشف عنده قطعة واحدة من صابون زيت الغار الشامي ويغرق السوق بفقاعاتها. كانت عينا عريف الشرطة تقدح نارا لاهبة، معلناً، وبصيحة عالية ومزمجرة، أن قطعة الصابون المكتشفة في حقائبكم ايها الرجال مثلها مثل من يحمل سلاحا ناريا محظورا!!!!!!أصابتني الدهشة واعتصرني الألم وخذلني الخوف ، وأنا اعلم أن الأمة العراقية، بمختلف أقوامها، من الجبل إلى السهل، تغتسل وتبارك أجسادها بالصابون الحلبي العابر للسيادة، بما في ذلك عريف التفتيش نفسه، الذي أفزعنا خشيةً ورهبة.
استعدت ذاكرتي اليوم ثانية على لهيب الفتنة التي اشعلت جرارالزيت المسكوب على أشجار الزيتون وحقوله الخضراء نفسها، لتستبدل زيتها، الذي يكاد يضيْء الدرب نحو السلام، إلى حرائق، لا تخلف إلا الظلام والموت في بلاد اسمها الشام. فلم انفك من ان اتحدث بسري مردداً :لا أريد، اليوم، وأنا في بلاد وادي الرافدين، أن أرى زيت الزيتون المسكوب من جراره المحطمة في اعالي المياه، ممتزجا بدماء الأبرياء، يسيل منحدرا مع جريان الماء، من أقاصي سريان الفرات. أريد مياها نقية، مضاءة بشجرة الزيتون، ارتوت، حقاً، من الفرات نفسه، كي تعانق نخيل العراق جنوباً، بحب، ومودة، وسلام. عدت من فوري لاراجع كهولتي ، يوم حالفني الحظ أن أتطلع، وأنا في زيارة إلى اليابان قبل اعوام إلى اكتضاض رائع من مخان ودكاكين العاصمة اليابانية، طوكيو، المزدهرة في بضائعها، والمتميزة بتنسيق أدهشني روعته .فبعد أن سلبت الألوان الجميلة لب عقلي ،عبر تناسق تلك السلاسل المخزنية الجميلة، وقع نظري على وعاء، أو زنبيل، يحمل قطعاً من الصابون الشامي، المصنوع من زيت الزيتون، والمصدر إلى أسواق أقاصي الشرق. عندها، علمت أن الأمة اليابانية هي الأخرى تغتسل بزيت السلام الشامي، مثلها مثل الأمة العراقية. إنها شجرة زيتون البحر المتوسط، التي نتبارك بزيتها نحن أمم الشرق كافة، في وقت أخذت فيها أشجار الزيتون تتهاوى وتحترق، وتتساقط فيها جرار زيت الزيتون واحدة تلو الأخرى لتكون حطاماً في بلاد عظيمة اسمها: الشام. قلت في نفسي: ربما هي آخر قطعة صابون ستصل إلى بلاد اليابان، بعد أن كسرت معاول الارهاب جرار الزيت، وحطمت معاصر ثمار الزيتون، واستبدل أمراء الحرب قطع الصابون بقطع السلاح، على غرار ما أخبرتنا نقطة تفتيش هيت، في نظريتها المتشائمة عن صابون زيت الزيتون في خمسينيات الحرب الباردة …لا ادري!!! فعسى أن يكون ذلك الشرطي الهيتي على قيد الحياة، لأبلغه بأن الأمة السورية قد دخلت لعبة الحرب استبدلت فيها قطع الصابون بالأسلحة النارية، وتحولت بقابا جرارُ حفظ زيتها البارد، الى علب تسخن البارود المشتعل ، ليبرهن لنا أمراء الارهاب نظرية مفادها :أن الدم وزيت الزيتون لا يجلسان في جرة واحدة.

 


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2019

كُن مراسلنا! | إرسل الاخبار والحقائق لبغداد تايمز عبر NEWS@BAGHDAD-TIMES.NET أو عبر فيسبوك

التعليقات