وكالة إخبارية معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم (1571)



خبر عاجل

مجلس الوزراء يعلن تعطيل الدوام الرسمي يوم الاحد المقبل



20150203_143245

كان ذلك هو اخي الذي رمى مفتاح قلبه في الرمال

صباح علال زاير

كنت بيدك تسرّح شعري حين كان والدي منشغلاً مع اخي هادي بحديث جانبي، في حين أسرعت تمرر المشط الصغير، الذي كنت تخبأه في جيب ما داخل سترتك، بعناية وسرعة فائقة لكي لا يتعجل المصوّر الشمسي بالتقاط الصورة التي ستزيّن القيد العام في مدرستي الاولى مطلع تشرين الثاني 1973، ومنذ ذلك اليوم وحتى عام 1977 وعلى مدى 1440 يوماً لم نفترق، وعند كل مساء نغادر الباب الرئيس للمدرسة المسائية بعد ان نقضي بين صفوفها ثلاث ساعات، تقل احياناً حال انقطاع التيار الكهربائي.. في وقت كنت تدّخر لي قطعة خبز جلبتها معك من البيت ووضعتها بين كتبك لساعات الجوع، او تدفع الى ابو عباس، صاحب العربة المتوقفة في باب مدرستنا، ثمن ماعون الباقلاء البالغ عشرة فلوس، اقضي يومي العب من الصباح الى العصر واشاكس هذا وذاك، وازور بيوت اقاربي بين حين واخر، اما انت فيومك مبرمج بدقّة متناهية، تجتهد فيه لمراجعة الدروس وتجتاز المراحل بتفوق على الجميع..كتبك المرتبة وملابسك النظيفة وهندامك الأنيق يجعل اقرانك يحسدوك، لم تكن مثلي ابداً، منذ طفولتك لم تفارقك فرشاة اسنانك، عطرك، ساعتك اليدوية، محفظة اقلامك الملونة، كاميرتك الفوتغرافية التي تحملها اينما حللت، احلامك تختلف عنا، حتى افكارك ونقاشاتك الناضجة، وجراتك الأدبية لا تشبهنا، وانت تشارك في فعاليات المدرسة شعراً وغناء رغم انك في التاسعة من العمر.

أخي ناصر، هكذا ادعوك، دون ان استخدم مفردة الشقيق التي ترددها انت دائما لأني ارى ان الأخ اقرب لي، هل تعلم متى تغيّرت عني وعن غيري من الاهل والناس ولم تعد ناصر الذي نعرفك؟، سأعود بك الى يوم صيفي موغل بالحر القائض عام 1981 حين اقترحت ان ارافقك الى محافظة ما في شمال العراق، قلت لي.. صباح انت الوحيد من بين اهلي لم تر حبيبتي، ورحت تصفها لي حتى اعتقدتها ملاكاً وانت تسهب في وصف شكلها وحديثها ولقاءاتها معك، اخبرتني انك قبّلت خدّيها بلهفة عندما رأيت أن حب الشباب لم يزده الا حلاوة، اعجبتني فكرة السفر معك وقطعنا مئات الكيلومترات كي نصل الى تلك القرية البعيدة، ثم مسافة اخرى مشيناها سيراً على الاقدام وكلما رأيت قد انهكتني الرحلة رحت تتحدث عن طيبة اهلها وعلاقاتنا العائلية معهم وطريقتهم المحببة في استضافة القادم منا اليهم، ومثل أي فتيان نسمع ان من يزور احداً فمن اللائق ان يحمل معه فاكهة بيده، انتقيت انت نوعية من الرطب الفاخر وملأ البقّال لك الكيس، كنت تمشي باقصى سرعتك كي تصل، وكان قلبك اسرع مني ومنك، اما انا المثقل بحرارة الشمس وسمومها ورمال الطريق التي لوّنت شعري الطويل الاسود بخيط رصاصي او رمادي فقد كنت منهكاً جداً…في لحظة ما لوّحت بيدك من بعيد وصحت ضاحكاً.. ذلك هو البيت.. وزدت من سرعة خطواتك حتى طرقنا الباب وانت تستعيد اناقتك وتنتصب بقامتك التي انحنت قليلاً لشدة الرحلة.. رمقتني بنظرة خاطفة وانت تمرر يديك على قميصك وياقتك ربما اردت ان تسالني كعادتك.. هاشلوني حلو لو لا.. بشرفك كول حلو لو لا؟، لكن امها التي فتحت الباب حالت دون ذلك، لم يستضفنا اهل حبيبتك اكثر من ثلاث دقائق فقط قضيناها بين الباب الدخلي والخارجي متوسطين وقوفاً حديقة مزروعة بالحمضيات على الجانبين الايمن والايسر من المنزل، طلبت الأم وبحدّة ان نعود من حيث جئنا وان لا ترانا ثانية، ثم جاء يتمشى خلفها زوجها بتثاقل..لم يسمعنا الرجل كلمة جارحة لكنه اكتفى بوجه عابس وتمتمة لم نفهمها، وحين أدرنا لهم ظهورنا.. كنت التفت اليك بين حين وآخر فاجدك قد سرحت في عالم اخر.. كنت تمشي معي بطريقة لا تشبه مشيك قبل ان نصل اليهم، عيناك زائغتان كأنك تبحث عن شيء ما، وحين تصحو من غيبوبتك تسالني.. شبيهم ذوله؟؟ ولك ما كانوا هيج من اجيهم قبل؟، ثم تجيب بنفسك عن سؤالك وتردد ان شيئا ما قد حصل.. لم تعد ناصر الذي يتحدث لي قبل ساعة عن احلامه وغرامه والمستقبل، قبل ان تعرف فيما بعد ان احدى رسائل الحب التي تبعثها الى عنوان مدرستها قد فتحتها مديرة المتوسطة وسلمتها الى والدها الذي رمى بابنته من اعلى سطح الدار الى الارض لتدخل المسكينة المستشفى وتفقد الوعي وتصاب بكسور هنا وهناك ليسدل الستار عن قصة حب كنت تتمنى ان تتوّج بالزواج مثلما كان اهلنا قد اتفقوا معهم حين كنتم اطفالاً، ومنذ ذلك الزمن ومازال جرحك ينزف على مدى 44 عاماً وقررت ان تقفل قلبك على ذكراها وتلقي بمفاتيحه في رمال تلك القرية النائية من شمال العراق.. كم من شابة حاولت التقرب اليك ولم تفلح لأنها لم تكن تشبه تلك ولن المفتاح مازال بعيداً.. ولأنك مفرط بالعاطفة لجأت الى الشعر لتلقي اليه شجنك كلّه.. فيما كان صوتك يئن بألم وحسرة اعتقد الناس انك تغني.. العجب انك لم تجد امرأة الى الحين تشبه اميرتك تلك؟، ولم تستطع نساء الارض العثور على ذلك المفتاح الذي ربما صدأ بفعل الحر والزمن وقسوة التقاليد الفانية.



تابعونا علىِ فيسبوك وتويتر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Time limit is exhausted. Please reload the CAPTCHA.