(نحن) و (هم) مقال لـ”محمد عبد الجبار الشبوط”

كتابات | 357 | 6:59 م

(نحن) و (هم) مقال لـ”محمد عبد الجبار الشبوط”

بغداد تايمز

(نحن) و (هم)
محمد عبد الجبار الشبوط
يُكثر العراقيون من استخدام ضمير الجمع الغائب (هم) وما يتصل به من الافعال الخمسة المعروفة، فيما يتسم بالغموض ضمير المتكلم الجمع (نحن).
يفترض ان يشير الضمير نحن الى الجماعة البشرية، المجتمع، الامة، الجمهور، الشعب. وهذه كلمات تستخدم بكثير من التسامح للاشارة الى سكان البلد المعروف في وثائق عصبة الامم سابقا والامم المتحدة حاليا باسم العراق، المملكة العراقية، الجمهورية العراقية، جمهورية العراق.
ينسب الى ملك العراق الاول الملك فيصل قوله انه لم يجد مصداقا لهذه الكلمات في هذه المنطقة. فهذا “الشعب” الذي جاء الملك فيصل لحكمه مؤلف من جماعات بشرية، اطلق عليها مؤسسو الجمهورية الثالثة عنوان “مكونات” وهي لفظة استخدمها دستور عام ٢٠٠٥ في مادته التاسعة التي تقول:”تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ او اقصاء”. وبهذه المادة يكون دستور الدولة قد الغى مبدأ المواطنة، ورضي الذين صوتوا لصالح الدستور بذلك، لانهم ليسوا مواطنين، انما هم افراد في مكونات. المواطن ينتمي الى الوطن، فيما ابن المكون ينتمي الى القومية او الدين او الطائفة. يستحيل اقامة دولة حضارية حديثة بدستور يقصي المواطنة! تقاسم الناس “الوطن” على اساس عرقي او طائفي او حتى ديني في بعض المناطق. فهناك مناطق عربية واخرى كردية وثالثة تركمانية. وهناك مناطق شيعية واخرى سنية؛ بل توجد ايضا مناطق مسيحية. لتكوين امة او شعب لابد من توفر حد ادنى من الاندماج المجتمعي. والاندماج يتحقق عن طريق العيش المشترك في نفس المناطق، او التزاوج المختلط، او الروابط الاقتصادية المتداخلة. ويتحقق ذلك ربما بالاستناد الى فكرة رينان عن الامة، التي تقترح معنى التاريخ الخاص:”الذكرى الخاصة بجماعة من الناس أنهم صنعوا بعض الاشياء سوية، وانهم يريدون صنع اشياء اخرى في المستقبل”، كما يقول فرناند دومون في كتابه “الايديولوجيا”. عراقيا، نستطيع ان نعتبر ثورة العشرين اول مفردة في ذاكرة عراقية مشتركة. فقد كانت حدثا قام به العراقيون بهذه الصفة. لكن يبدو ان الامور لم تجرِ على ما يرام بعد ذلك. فقد انفصلت الذاكرة العربية عن الذاكرة الكردية، وانفصلت الذاكرة السنية عن الذاكرة الشيعية، والذاكرة الاسلامية عن الذاكرة العلمانية، وفي هذه الاخيرة كما في التي سبقتها ذاكرات فرعية كثيرة، متصارعة فيما بيننا، وكتبت بعض صفحاتها بالدم والظلم والاضطهاد والتشريد والتعذيب. وبهذه الانفصالات، تبدو الان ثورة العشرين هي المفردة الاخيرة في ذاكرة العراقيين المشتركة.
حسنا، اذا كان التاريخ لا يسعفنا بمساحات واسعة من الذاكرة المشتركة، فلم لا نرسم صورة للمستقبل نوحد ارادتنا من اجل صنعها، ونعلن نحن العراقيين اننا نريد ان نصنع ذات الشىء في المستقبل، يستوعب كل العراقيين، يوحدهم ويجمعهم ولا يفرقهم او يشتتهم. هذا يستلزم امرين: اولا، التخلي عن الاشياء الخاصة الاصغر، التي قد يحلم بها كل مكون لنفسه، وثانيا بناء فكرة او هدف اكبر قادر على ان يوحد العراقيين ويجمعهم. ولبناء هذه الفكرة سوف استعير نموذج جاك ميرلو بونتي المؤلف من عنصرين هما “المستند العقلاني” و “البعد القيمي”. فاما المعادل الموضوعي للاول فهو المركب الحضاري المؤلف من خمسة عناصر في مقدمتها الشعب (الانسان، المجتمع)، والوطن (الارض)؛ والمعادل الموضوعي للثاني هو منظومة القيم الحضارية العليا الحافة بالمركب الحضاري. وعلى اساس هذين المبدأين اطرح فكرة الدولة الحضارية الحديثة التي يمكنها ان تكون هدفا اوسع من الاهداف الاضيق التي اشتغلت عليها شرائح منفصلة من العراقيين وتصارعت بسببها، وخلقت ذاكرات منعزلة عن بعضها البعض الامر الذي اعاق ويعيق اندماجهم في امة واحدة او شعب واحد.


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2020

التعليقات