الإيديولوجية الناصرية: منظور اجتماعي سياسي

اخبار العالم | 465 | 9:16 م

الإيديولوجية الناصرية: منظور اجتماعي سياسي

بغداد تايمز

يقصد بالأيديولوجيـة السياسيـة أو المذهـب السيـاسى فى هـذا المقام تلك المجموعة المنسقة من الأفكـار التى تتعلـق بشكل النظام الاجتماعى وغايته. ومن ثم فإنها تشمل عنصرين: الغاية أو الهدف الذى ينبغى للمجتمع أن يتطلع إليه، والوسائل التى تمكن من الوصول إلى هذا الهدف. فالإيديولوجية تتضمـن إذن الهــدف والـوسيلـة، الغايـــة والأسلـوب، الايديولوجية ببساطة هى “نسق محدد من القيم يحدد أهداف التطور الاجتماعى”). والأيـديـولـوجيــة – بالضرورة – نتاج اجتماعى، فليس ثمة ” تاريخ للفكر ” يستقل عن الأوضاع المادية للحياة الاجتماعية، ذلك لأن الأيديولوجية هى على الدوام المحصلة الفكرية لأناس بعينهم، يعيشون فى ظروف معينة ويعتمدون فى معيشتهم على أسلوب إنتاج مقرر، ويترابطون بعلاقات اجتماعية ثابتة، ويؤدون أعمالاً محددة، تحكمها أهداف ورغبات مؤكدة، ومن ثم فإن نظامهم المذهبى يتشكل من خضم حياتهم المادية، ويتطور بتطور مكونات هذه الحياة المادية. فارتقاء الإنتاج وما يترتب عليه من امتداد لعلاقاته، وتوسع نطاق الصلات الاجتماعية القائمة على تلك العلاقات هى التى تهيئ ظروف صياغة الأفكار التجريدية، وتبرز الحاجة إلى التطوير المذهبى لمثل تلك الأفكار.وتؤكد دراسة تاريخ الفكر السياسى هذه الحقيقة، فقد كان ظهور الأفكار والمذاهب السياسية المختلفة تعبيراً عن تغيرات لحقت بالظروف الاجتماعية القائمة، وبروز الحاجة إلى تطوير الأفكار بما يتلاءم مع التغيرات المادية الجديدة، فظهر المذهب الفردى، على سبيل المثال، انعكاساً لصعود الطبقة البرجوازية على حساب الطبقة الإقطاعية التى سبق لها أن سادت على أنقاض عصر العبودية، ثم ظهرت الأفكار الاشتراكية فيما بعد تعبيراً عن التغيرات التى استجدت على نمط الإنتاج وعلى علاقات الإنتاج على أثر الثورة الصناعية، وما أحدثته على صعيد الطبقة العاملة من مظالم وما حققته من مكاسب وأرباح للطبقة البرجوازية على حساب الطبقة العاملة فى معظم الدول الصناعية الغربية.

والناصرية، وفقاً لذلك تعتبر انعكاساً وتعبيراً عن التطورات المادية التى لحقت بالمجتمعات العربية منذ بداية القرن العشرين، وللظروف السياسية التى عاشتها تلك المجتمعات فى ظل الحقبة الاستعمارية وحتى فترة ما بعد الاستقلال، وهى بذلك تعبر عن تطلعات الشعوب العربية وآمالها فى مستقبل أكثر إشراقاً تستطيع فيه أن تتخلص من الأزمات والمشكلات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية التى تعيشها فى ظل الأوضاع الراهنة. فالناصرية، كما صاغها جمال عبد الناصر، هى بلورة لخبرة النضال العربى، وتجسيد للآمال والأهداف التى تتطلع إليها الشعوب العربية، ومن ثم فهى إيديولوجية الثورة العربية التى تسعى فى الأساس إلى تحقيق الغاية العربية الكبرى ألا وهى ” إقامة الدولة العربية الواحدة ذات البناء الاشتراكى والديمقراطى ” كما تجسدها دعوة الحرية والاشتراكية والوحدة. والناصرية بهذا المعنى تستمد أصالتها كإيديولوجية للثورة العربية بكونها النتاج الفكرى للتغيرات التى لحقت بالأوضاع المادية للحياة الاجتماعية فى الوطن العربى، فهى خلاصة الممارسات العملية لتجربة ثورة 23 يوليو 1952 مع واقع اجتماعى واقتصادى وسياسى قائم وله سماته المحددة التى مازالت قائمة ومستمرة حتى الآن، كما أنها تعبير عن الدروس المستفادة من خبرة نضال الشعب العربى فى سبيل التخلص من الاستعمار السياسى والاقتصادى والتخلف الاجتماعى طوال السنوات الممتدة منذ بداية هذا القرن وحتى الآن، حيث تتجدد حتمية هذه المواجهة مع أنماط استعمارية جديدة لا تقل ضراوة عن الأنماط الاستعمارية المنصرمة، إن لم تكن أفدح فى عنفها وسطوتها حيث تميل إلى انتهاج أساليب إمبراطورية كما هو حال المسعى الإمبراطورى الأمريكى.فالحقيقة المؤكدة أن عبد الناصر عندما قام بالثورة فى 23 يوليو 1952 لم تكن لديه إيديولوجية سياسية جاهزة، ولم يكن لديه تصور شامل عن الكيفية التى يمكن بها إدارة شئون الحكم، فقد اعترف عبد الناصر بوضوح بأن قادة الثورة لم يكن لديهم فكرة واضحة عما يجب أن يفعلوه عندما وجدوا أنفسهم فجأة فى مقاعد السلطة، واتبع عبد الناصر منهج التجريب والممارسة العملية، ورفض الالتزام بعقيدة جامدة، فلم ينهمك فى النظريات – كما قال فى الميثاق – بحثاً عن الواقع، ولكنه انهمك فى الواقع بحثاً عن النظرية، ومن ثم جاءت النظرية تعبيراً حقيقياً عن ظروف هذا الواقع ومكوناته، وتكريساً للدروس المستفادة من خبرة النضال الثورى. ففى خطابه الافتتاحى للجنة التحضيرية للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية فى 25 نوفمبر 1961 نجده يقول: ” فرضت ظروفنا أن يسبق تطبيقنا الثورى النظرية.

ولكن ما هى النظرية؟ إنها دليل العمل.. وما هو مصدر دليل العمل؟ ! هو الممارسة ودراسة المشكلات التى يواجهها المجتمع”.ولقد أفرزت الممارسة العملية ومواجهة المشكلات اليومية التى واجهت العمل الثورى صياغة نظرية اختلفت وتمايزت عن كثير من الصياغات النظرية التى تضمنتها إيديولوجيات ونظريات سياسية أخرى، لا لشئ إلا لكونها تعبير عن واقع معين هو واقع المجتمع العربى بمشاكله وقضاياه وفى فترة زمنية محددة تمثل العمر الزمنى لثورة 23 يوليو بما صاحبها من تطورات داخلية وقومية ودولية، وتكون الإيديولوجيات الأخرى تعبيراً عن ظروف وأوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية مختلفة فى بيئات اجتماعية أخرى غير البيئة العربية، وفى عصر زمنى مختلف، ولذلك فإن الانطباع الذى أخذه بعض الباحثين عن تمايز الصياغة النظرية للناصرية عن غيرها من الصياغات الإيديولوجية الأخرى على أساس أن الصياغة الناصرية اتسمت بالانتقائية والتلفيق بين مدارس واتجاهات وتيارات فكرية متباينة والجمع بين آراء غير متناسقة فى منطلقاتها، أو فيما تقود إليه من نتائج هو انطباع يفتقر إلى الدقة العلمية والإدراك السليم للحقائق التى ارتبطت بها صياغة الإيديولوجية الناصرية.فالقول بأن الناصرية جمع بين مجموعة من الآراء غير المتناسقة بطريقة ميكانيكية دون محاولة الوصول إلى صيغة تلخيصية أو تركيبية تعلو هذه الآراء وتتسامى عليها، الأمر الذى قاد إلى عدم القدرة على الحسم الفكرى، والاتجاه نحو ” الحلول الوسط “، قول فيه تجنٍ شديد على الناصرية.فالالتزام المسبق بإيديولوجية سياسية رغم أهميته بالنسبة للعمل السياسى والممارسة السياسية فإنه، يمكن أن يؤدى، فى حالة عدم ملاءمته للأوضاع والظروف القائمة، إلى مشاكل خطيرة تضر بسلامة الممارسة وتهدد التجربة ككل. كما أن عدم الالتزام بإيديولوجية محددة سلفاً خصوصاً فى المراحل الأولى من العمل أمر له بعض الفوائد والمميزات، فهو يمكن أن يسمح للتجربة بحرية الحركة والتطور بسرعة أكبر مما لو كان هناك التزام جبرى مسبق بمبادئ نظرية تقصى ظروف المجتمع بضرورة الخروج عليها، كما أنه يمكن أن يسمح للتجربة بقدر أكبر من حرية اختلاف الرأى والديمقراطية طالما كانت هذه الحرية ليس فيها ضرر للأهداف الأساسية للمجتمع. لكن أهم هذه النتائج لعدم الالتزام المسبق بمبادئ نظرية هو إتاحة الفرصة للمجتمع كى يتمكن من إفراز الصيغة النظرية المعبرة عن واقعه، والنابعة من قيمه وتراثه، والتى تعكس آمال وطموحات القطاعات العريضة من أبناء الشعب.

وإذا كانت الناصرية قد انتهجت منهج التجربة والخطأ طوال الفترة الممتدة من قيام الثورة فى 23 يوليو 1952 وحتى صدور الميثاق فى مايو 1962، الذى وصفه عبد الناصر فى الاجتماع الثانى للجنة التحضيرية بأنه “دليل عملنا الوطنى “، ثم وصفه فى 9 مايو 1968 عند وضع القانون الأساسى للاتحاد الاشتراكى العربى بأنه ” بالنسبة لثورتنا نظريتها السياسية، وبالنسبة لاشتراكيتنا فكرها الثورى ” فإن حركة الثورة وممارساتها العملية طوال تلك الفترة لم تكن حركة عشوائية أو ممارسة اعتباطية، ولكنها كانت محكومة بمجموعة من الاعتبارات أهمها: 1- الالتزام بالأهداف الستة التى وضعتها الثورة عند قيامها، والعمل من خلالها، ففى مواجهة جيوش الاحتلال الرابضة فى منطقة قناة السويس دعت الثورة إلى القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، وفى مواجهة تحكم الإقطاع الذى يستبد بالأرض ومن عليها عملت على القضاء على الإقطاع، وفى مواجهة الاستغلال والاستبداد استهدفت الثورة إقامة عدالة اجتماعية، وفى مواجهة تسخير موارد الثروة لخدمة مصالح مجموعة من الرأسماليين المستغِلين (بكسر الغين)، عملت على القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، كما استهدفت إقامة جيش وطنى قوى وإقامة حياة ديمقراطية سليمة. ولقد كانت هذه الأهداف الستة بمثابة خطوط عريضة لأهداف عامة تعبيراً عن أزمات وأوضاع المجتمع الذى نشبت فيه الثورة، وكانت حصيلة مشاعر وطنية قوية إزاء مفاسد الحكم الملكى وفشله المزمن فى مواجهة مشكلات مصر، وكانت انعكاساً أميناً لمقتضيات الثورة الوطنية فى مصر لكنها لم تكن تمثل برنامج عمل ثورى. ولذلك، وكما يقول الميثاق مضى الشعب منطلقاً من المبادئ الستة إلى تعميق نضاله وتوسيع مضمون هذا النضال عن طريق عمليتين تاريخيتين لهما أثارهما الضخمة: إن الشعب المعلم راح أولاً يطور المبادئ الستة ويحركها بالتجربة والممارسة، وبالتفاعل الحى مع التاريخ القومى، تأثراً به وتأثيراً فيه، نحو برنامج تفصيلى يفتح طريق الثورة إلى أهدافها اللامتناهية، وأن الشعب المعلم راح ثانياً يطور هذه الآمال ويحركها بالتجربة والممارسة ويربطها دائماً بهذه الآمال ويوسع دائرتها. 2- القيام بدراسة التاريخ دراسة علمية تعتمد على التأمل فى الماضى بما يمثل من حلقات فى سلسلة التطور، ويمثل حصيلة الجهد الإنسانى فى التقدم، على أساس الوعى بأن التاريخ يسجل بحق تجارب الشعوب، ويقدم منهجاً صحيحاً أمام الأمم التى تسعى لبناء نفسها لكى ” تتأمل تاريخها وأن تنظر إلى واقع عالمها ثم تقدم على صنع مستقبلها واقفة فى ثبات على أرضها”.

ولم تعتمد الناصرية على دراسة التاريخ لكى تحبس نفسها فى إطار الماضى، ولكنها كانت فى الوقت نفسه مثلاً حياً للانفتاح على التجارب التى بلورها النضال الإنسانى طول مراحله المختلفة. 3- اعتماد النظرة الشاملة فى معالجة قضايا التطور، والأخذ بمنطق القياس الموضوعى للأمور، وقد ساعد ذلك على الوصول إلى بعض القواعد المنهجية، واعتمادها ضمن المنهج الناصرى، فقد توصلت على سبيل المثال إلى أن تطور المجتمعات لا يتم بشكل عشوائى، أو دون ضوابط ولكن التطور تحكمه قوانين عامة، كما تواصلت إلى أن التفاعل بين الإرادة الإنسانية من جانب، والواقع المادى القائم فى المجتمع من جانب آخر هو المسئول عن التطور وتحديد اتجاهه، فكل من الإرادة الإنسانية بقدراتها الإبداعية والواقع المادى بظروفه ومكوناته يؤثر فى الأخر ويتأثر به، وليس فى مقدور أى منهما أن يدفع التطور الإنسانى قدماً دون مساهمة فعالة من الأخر. وبهذه القاعدة تكون الناصرية قد حلت المشكلة الخلافية بين كل من ” هيجل ” و ” ماركس “، فلم ترجع التطور إلى الإنسان وأرادته فحسب، ولكنها عندما أكدت الدور الإنسانى فى التطور لم تنكر دور العامل المادى الحاسم فى خلق واقع التطور ذاته. وعلى ذلك أكدت الناصرية على أن التاريخ فى تطوره لا يرجع إلى الوراء، ولكنه فى حركة صاعدة، وبالتالى تكون الأزمات مجرد عوارض وقتية لا تؤثر فى اتجاه حركة التاريخ العام نحو التقدم، ومن خلال هذا الاعتقاد عملت الناصرية على تطوير البنية التحتية للمجتمع بما يتلاءم مع متطلبات القاعدة العريضة من أبناء الشعب، والاعتماد على الإنسان وإبداعه فى دفع التقدم المادى إلى الأمام وتوجيهه الوجهة الصحيحة التى تخدم مصالح الشعب وتحقق أهدافه. 4- الاعتماد على العلم فى دراسة الواقع، ومحاولة تجاوز الواقع المتخلف إلى واقع أكثر تقدماً عن طريق الوعى القائم على الاقتناع العلمى النابع من الفكر المستنير والناتج من المناقشة الحرة التى تتمرد على سياط التعصب والإرهاب. فقد أكدت الناصرية على أنها ليست ” يوتوبيا ” جديدة تحاول أن تحلق من خلال أحلامها إلى السماء بعيداً عن أرض الواقع، وإنما اعتبرت أن العلم، والمنهج العلمى هما الأساس فى الممارسة الثورية، ولعل هذا ما دفع عبد الناصر ليؤكد فى الميثاق على أن الانفتاح على التجارب الإنسانية بوعى واستنارة، والاستفادة من هذه التجارب ضرورة هامة لسلامة الممارسة الثورية. ولقد كانت هذه الاعتبارات فى مجملها ركائز أساسية استندت عليها الممارسة النضالية لثورة 23 يوليو منذ قيامها، وكان لها الفضل فى ترشيد تلك الممارسة وفق مصالح الشعب وأهدافه، وساهمت من خلال ترشيد الممارسة فى صياغة وبلورة كثير من أفكار عبد الناصر والمبادئ التى صاغها فى الميثاق وباقى مواثيق الثورة وفى خطبه وأحاديثه والتى شكلت فى مجملها العناصر والمبادئ المكونة للناصرية كإيديولوجية سياسية. وعلى ذلك يمكن القول أن الناصرية لم تكن خلال الفترة الممتدة من 1952 وحتى عام 1962 حركة برجماتية أو تجريبية خالصة، ولم يكن مسارها مراحل متقطعة وتحولات مفاجئة، بل كانت تتحرك باستمرار وفق مبادئ وأهداف وضعتها لنفسها منذ البداية، وأخذت تعالج تنفيذها بالمحاولة والخطأ. ومنذ عام 1962 أصبحت الناصرية تمتلك الأيديولوجية الثورية التى أفرزها الواقع الاجتماعى والسياسى والاقتصادى فى مصر، وهو الواقع الذى يماثل واقع غالبية المجتمعات العربية الأخرى، وبالتالى جاءت هذه الأيديولوجية معبرة عن خصائص وظروف هذا الواقع، ومتضمنة الأهداف والمصالح التى تسعى جماهير الشعب العربى إلى تحقيقها، عندما جعلت من إقامة الدولة العربية الواحدة ذات البناء الاشتراكى والديمقراطى غايتها النهائية برفعها شعارات الحرية والاشتراكية والوحدة والعمل الجاد من أجل تحقيق هذه الشعارات على كافة المستويات.

بهذا المعنى تختلف الايديولوجية الناصرية منهجياً عن التوجه العالمى الجديد المسمى بـ “الطريق الثالث” الذى يعتبر أحد نتائج العولمة، أو محاولة لطرح ايديولوجية للعولمة من خلال التوفيق بدرجات ما بين مقولات رأسمالية وأخرى اشتراكية، فيما سمى بـ ” الاتجاه التوفيقى”. الذى يسعى إلى التأليف الخلاق بين ايجابيات الاشتراكية وحسنات الرأسمالية.لقد اتهمت الايديولوجية الناصرية بالتوفيقية أو التلفيقية وقت أن كان مثل هذا الأمر (التوفيق أو التلفيق) مستهجناً وبالذات من جانب بعض الفصائل الماركسية المصرية التى كانت ترى فيه “وسطية بغيضة” لكن وبعد أن أضحى “التوفيق” مستحسناً الآن فمن الضرورى التأكيد على أن الناصرية لم تسع – بتعمد – إلى التوفيق أو التأليف بين ايجابيات الاشتراكية وحسنات الرأسمالية وإن كانت قد توصلت فى النهاية إلى شئ ما من هذا التوفيق (غير المقصود) بدرجة أقرب إلى الاشتراكية منه إلى الرأسمالية، لكن هذا لم يتم عن طريق التقريب أو التأليف ولكن من خلال الممارسة والتجربة العملية ومنهج التجربة والخطأ.تلك كانت بعض النقاط التى أردنا توضيحها فيما يتعلق بدراسة الناصرية كإيديولوجية سياسية، والأمور التى يجب أخذها فى الاعتبار عند تناولها أو تقييمها، ونظراً لأننا لسنا فى معرض الحديث المستفيض فى هذه الدراسة عن الناصرية كايديولوجية للثورة العربية فإننا سنركز أساساً على الجانب الاجتماعى للناصرية كإيديولوجية وتحديد الخصائص والأسس الرئيسية للرؤية الاجتماعية للناصرية. لكن يهمنا فى البداية الإشارة إلى الملاحظات التالية:

1- أن المنهج الملائم لدراسة التجربة الناصرية – كغيرها من التجارب والممارسات السياسية التى قامت على أساس عقيدى أو مذهبى – هو “المنهج الجدلى التاريخى” الذى لا يفصل بين الذات والموضوع، بين الفكر والواقع، بين التجربة وظروفها. ويرى، من خلال نظرة نقدية شاملة، وجهى العملة فى الوقت نفسه، ويرصد الجوانب الإيجابية والسلبية، بمعيار حركة التقدم الوطنى والتاريخى، ليخرج – بعد ذلك – بنتيجة موضوعية تبين ما إذا كان الجانب الإيجابى هو الغالب أم العكس، وتكشف أيضاً أسباب الجانب السلبى، وتحاول علاجه لكى تستمر المسيرة فى المجتمع إلى الأمام، إلى الأمام بمعنى شعبى وديمقراطى، وتنمية اقتصادية اجتماعية مستقلة، وتحرر وطنى، ومعاداة للإمبريالية والصهيونية، وانتماء قومى أصيل يعمل من أجل تحقيق الأهداف والغايات القومية فى الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعى والوحدة العربية.

2- أن مع أهمية الأخذ بعين الاعتبار الجانبين الأساسيين اللذين يهتم بهما المنهج الجدلى التاريخى بالنسبة لتقييم التجربة إلا أنه بالنسبة لدراسة الصياغة النظرية للإيديولوجية يكون التركيز الأساسى على جانب الفكر؛ نظراً لأن الهدف من الدراسة فى هذه الحالة هو بلورة مجموعة الأفكار التى تشكل فى مجملها أركان الإيديولوجية وليس دراسة التجربة من أساسها بغرض تقييمها. ولكن الدراسة النظرية للناصرية لا تعنى إهمال التجربة التى حدثت فى عهد عبد الناصر فى مصر ورغم أن هذه التجربة بإيجابياتها وسلبياتها كانت لها ظروفها الخاصة التى تحكمت فى مسارها على المستوى المحلى فى مصر وعلى المستوى العربى وعلى المستوى الدولى، إلا أن الدروس المستخلصة من هذه التجربة أمر هام لمراجعة الكثير من أقوال الناصرية ولاختبار مدى مصداقية وصلاحية بعض المقولات التى طرحت فى عهد هذه التجربة والتى يجب تعديلها وفقاً للظروف والمعطيات المعاصرة.

3- ضرورة الاهتمام بالكيفية التى تمت بها صياغة الأفكار والأطروحات النظرية الناصرية والظروف التى أدت إلى طرح هذه الأفكار، والمسار الذى أخذه تطور الفكر الناصرى منذ قيام الثورة فى 23 يوليو 1952 وحتى طرح الميثاق؛ لأن هذا يفسر كثيراً من الأمور الغامضة وراء طرح هذه الأفكار، والمغزى الذى استهدفته، ومثل هذا الاهتمام يفيد كثيراً عند مراجعة وتقييم هذه الأفكار فى الوقت الحاضر. ومعرفة ما إذا كانت تعبيراً عن حدث عارض أم أنها تعبير أصيل عن حقائق قائمة فعلياً فى الواقع المصرى. الرؤية الاجتماعية للناصرية – الاختيار الاشتراكى:

1- دوافع اختيار الحل الاشتراكى: يمكن القول إن التجربة الناصرية طوال الفترة من عام 1952 وحتى عام 1962 التى تبلور خلالها الحل الاشتراكى كاختيار حتمى قد مرت بمرحلتين تميزت كل منهما عن الأخرى وإن كانتا متكاملتين؛ المرحلة الأولى هى مرحلة التردد فى حسم الاختيار الاشتراكى وتمتد من 1952 وحتى 1956، أما المرحلة الثانية فهى مرحلة الوعى التى برزت خلالها ملامح ومؤشرات التغير الجذرى فى الفكر الناصرى نحو الاختيار الاشتنراكى، حتى جاء عام 1962 فأصبح الاختيار الاشتراكى أمراً حتمياً، وأصبحت الاشتراكية العلمية هى القاعدة التى أقامت عليها الناصرية نظامها فى مصر وعملت على تحقيقها وبدأت فعلاً فى التحول نحو الاشتراكية. ولم تكن كل مرحلة من المرحلتين تتم فى فراغ، ولكنهما كانتا مرتبطتين أشد الارتباط بالظروف السياسية داخل مصر وبالصراع السياسى الدائر حول مصر وأصبحت مصر فيه طرفاً أساسياً، منها ما يخص علاقة مصر بالأمة العربية، ومنها ما يخص دور مصر فى الصراع مع العدو الصهيونى والإمبريالية المعاونة له، ومنها ما يخص الصراع الأكبر المتعلق بدور مصر تجاه الاستعمار الجديد، ومحاربة التخلف والابتعاد عن الاستقطاب الدولى الحاد الذى شهدته فترة الحرب الباردة وسعى مصر إلى تكوين كتلة دولية محايدة فى هذا الصراع، هى كتلة دول عدم الانحياز التى لعبت فيها مصر بزعامة عبد الناصر دوراً قيادياً. ولقد كانت القيادة الناصرية مشغولة فى السنوات الأولى للثورة بقضيتين أساسيتين كانت لكل منهما تأثيرها الواضح على القرارات الاقتصادية: الأولى هى قضية التحرر الوطنى وتحقيق الاستقلال السياسى والتى حسمت بتوقيع اتفاقية الجلاء أولاً فى عام 1954، ثم بدحر العدوان الثلاثى عام 1956. أما القضية الثانية فكانت تصفية القوى السياسية التقليدية التى سيطرت على مقاليد السلطة قبل عام 1952، وتضمن ذلك إقصاء الملك عن العرش، وإعلان الجمهورية، وحل الأحزاب السياسية وجماعة الإخوان المسلمين. ولقد حال الانشغال بهاتين القضيتين دون الدخول فى سياسات اقتصادية واجتماعية من شأنها إحداث تغيير جذرى فى النظام الاقتصادى والاجتماعى، وكان الاستثناء الوحيد هو قانون الإصلاح الزراعى الذى كانت له اعتبارات سياسية أيضاً تتعلق بتصفية القوى السياسية القديمة، ونتيجة لذلك فإن هذه الفترة كانت تهدف فى الأساس إلى إقرار القانون والنظام وتثبيت مكانة السلطة الجديدة. ولقد أدى هذا بالثورة إلى الاستمرار فى هذه الفترة فى الأخذ بالنظام الاقتصادى القديم. فقد أعلنت القيادة بوضوح فى السنوات الأولى أن النظام الاقتصادى المتبع هو النظام الحر، وأن دور الدولة سيقتصر ” على خلق الإطار الملائم لدفع المشروع الخاص نحو الاستثمار والقيام بأعباء النمو الاقتصادى “. ومن هنا كانت معظم القوانين والقرارات الاقتصادية التى اتخذت فى تلك الفترة تهدف إلى تشجيع رأس المال الخاص والأجنبى للاستثمار فى مصر. ولم تشترط الدولة أن يكون نصيب مساهمة رأس المال المصرى فى الشركات الجديدة (51%) بل اكتفت بـ (49%). كذلك منحت الشركات المساهمة الصناعية الجديدة إعفاء من ضريبة الأرباح لمدة سبع سنوات، واقتصرت الحكومة فى استثماراتها على الهياكل الأساسية مثل الطاقة والطرق ووسائل النقل ومشروعات الرى، والتى من شأنها خلق وفورات غير مباشرة للقطاع الخاص لكى يزيد من أرباحه واستثماراته فى أنشطة الإنتاج المباشر.ولقد استمرت الأمور على حالها وحتى وقوع العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 الذى استطاعت مصر قهره وتثبيت أركان النظام الجديد، وإكساب القيادة الناصرية زعامة شعبية واسعة، فزاد ثقل النظام، واكتسب قدرات أكبر فى الفعل والتأثير فى مواجهة القوى المعارضة من ناحية وزادت مسئولياته تجاه الجماهير الشعبية التى ألقت بآمالها وطموحاتها للنظام الثورى كى ينهض بها ويحقق أهدافها، لذلك شهدت الفترة من 1956 وحتى عام 1961 وعام 1962 تطورات هامة فى مجال الفكر والحركة بالنسبة لعبد الناصر. فقد زاد وعى عبد الناصر بإدراكه لقضيتى التنمية ورفع مستوى المعيشة كقضايا أساسية بعد تحقق الاستقلال السياسى وتصفية القوى السياسية القديمة فى السنوات الأربع السابقة.

ولقد أخذ ” الوعى ” صوراً متعددة كان من بينها إدراك القيادة الثورية لعدم جدوى مهادنة البرجوازية الكبيرة، أو الاعتماد على القطاع الخاص فى إحداث تنمية حقيقية وقد اتسمت هذه الفترة بتزايد تدريجى لتدخل الدولة فى شئون الاقتصاد القومى.وكان هذا التدخل المتزايد لدور الدولة فى الاقتصاد القومى وليد تطورات متعددة، لعل أبرزها تردد البرجوازية الكبيرة فى تحمل مسئولياتها تحت إشراف وتوجيه سلطة الثورة ووفقاً لما جاء بالقواعد التى وضعتها فى تخطيطها الاقتصادى. فقد أحجمت عن تمويل برنامج التصنيع الانتقالى (1957 – 1960) الذى كان من المقرر أن تمول 75% من استثماراته. وزاد حجم الصراع بين الطرفين بصدور القانون رقم (1) لسنة 1959، الذى حدد النسبة التى يجب أن تقوم الشركات المساهمة بتوزيعها من الأرباح على المساهمين بحد أقصى (5%)، وتحويل بقية الأرباح أو الفوائض لشراء سندات حكومية، لاستخدام حصيلتها فى إنشاء مزيد من المشاريع الصناعية. ولقد كانت حصيلة المرحلة الممتدة من عام 1952 وحتى عام 1961- الذى شهد التحول الجذرى عن النهج الرأسمالى واعتناق الاشتراكية والإيمان بها كحتمية لابد منها لتحقيق مصالح القطاعات العريضة من أبناء الشعب – مجموعة من الدروس الهامة التى أدت إلى ترسيخ الاشتراكية كمضمون اجتماعى للناصرية أهمها: 1- إن التنمية الاقتصادية وزيادة الإنتاج تمثل المواجهة الأساسية لمشكلة التخلف الاقتصادى والاجتماعى فى مصر. وإنه يستحيل أن ينطلق المجتمع المصرى فى عملية التنمية خصوصاً فى جانبها الاجتماعى إلا بالقضاء على العلاقات الإقطاعية القائمة، كما إنها لا يمكن أن تتم فى ظل السيطرة الأجنبية للاحتلال البريطانى لأرض مصر.

2- إن عملية التنمية هذه لا يمكن أن تتحقق بشكل تلقائى، وإنما لابد وأن تكون مخططة؛ وذلك وفق خطة معينة تقوم على حساب دقيق لاحتياجات المستقبل، وعلى حساب دقيق لتعبئة الموارد، ولحساب دقيق لتحقيق المراحل مرحلة بعد أخرى، ومن هنا كان قرار عبد الناصر بمضاعفة الدخل القومى كل عشر سنوات فى سنة 1956، ولقد ارتفع معدل الدخل القومى فعلاً فى الفترة من 1956 – 1960 بمعدل (6%) سنوياً، وارتفع معدل نمو الإنتاج الصناعى إلى (8.5%). – استحالة تحقيق التخطيط الشامل لموارد المجتمع ومضاعفة الدخل القومى بالاعتماد على الرأسمالية المحلية أو رأس المال الأجنبى. وكانت فترة 1957 – 1960. أصدق دليل على ذلك. – أن التخطيط يمكن أن ينجح فقط عندما يسيطر الشعب على وسائل الإنتاج، فذلك وحده هو الذى يضمن السيطرة على موارد المجتمع، ويضعها بالتخطيط الكامل لخدمة أهداف الشعب العامل. – إن التنمية يمكن أن تنجح فقط فى تحقيق أهدافها إذا ضمن التخطيط وبشكل دائم، إعادة توزيع الدخل القومى بما يحقق العدالة بين طبقات المجتمع، ومنع الاستغلال فيما بينها.وهكذا فإن الحل الاشتراكى لمشكلة التخلف الاقتصادى والاجتماعى فى مصر، وصولاً ثورياً إلى التقدم لم يكن – كما أكد عبد الناصر فى الميثاق– افتراضاً قائماً على الانتقاء الاختيارى، وإنما كان الحل الاشتراكى حتمية تاريخية فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير، كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم فى النصف الثانى من القرن العشرين. وجدير بالذكر أن وعى عبد الناصر بحتمية الحل الاشتراكى لم يكن قاصراً فقط على وعيه بالظروف والمتغيرات المحلية المتعلقة بضرورات التنمية وموقف الطبقات الاجتماعية فى مصر منها ودورها فى العملية الإنتاجية، ولكنه كان واعياً أيضاً بأن التخلف الذى تعيشه مصر لا يرجع فقط إلى أمور وراثية خاصة أو بظروفها الذاتية وفق ما تروج نظريات “التحديث” الغربية فى تفسيرها لأسباب التخلف، ولكنها متخلفة كغيرها مـن الـدول المستقلة حديثاً – دول العالم الثالث – لوقوع هذه الدول ومنها مصر فى دائرة الاستغلال الاقتصادى على مستوى العالم وتبعيتها للنظام الاقتصادى الرأسمالى العالمى الذى تهيمن على مقدراته الدول الغربية الرأسمالية الصناعية. ولقد كان إدراك عبد الناصر لقضية التبعية وعلاقتها بالتخلف السائد فى دول العالم الثالث سابقاً لمعظم زعماء العالم الثالث ولكثير من علماء الاقتصاد والاجتماع البارزين الذين انتهجوا فيما بعد منهج ” التبعية ” فى تفسير التخلف، ففى مؤتمر القمة الأول لدول عدم الانحياز الذى عقد فى بلجراد (سبتمبر 1961)، الذى كان محور اهتمامه مسألة الحرب الباردة فى الأساس والمواجهة بين الدولتين العملاقتين بعد فشل دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التى عقدت على مستوى رؤساء الدول فى حل هذه المسألة، ورغم سيطرة هذه القضية طرح عبد الناصر موضوع التنمية، وفجر فيه مسألة التبعية وعلاقتها بتخلف الدول النامية فقال: ” إنه من المحتم الآن إتاحة أكبر فرصة للتقدم أمام الشعوب التى لم تستكمل نموها الاقتصادى والاجتماعى وينبغى لنا أن نذكر أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار فى عالم تتفاوت فيه مستويات الحياة بين الشعوب على هذا النحو الفاضح الذى نراه الآن، ومع أنى لا أريد أن أثير أحقاداً قديمة، فإن التقدم الصناعى، على سبيل المثال، فى عدد كبير من بلدان أوروبا كان قائماً على الثروات التى جرى نزحها بطريقة منظمة من آسيا وأفريقيا “.وبالفعل تبنى مؤتمر القمة هذه الدعوة إلى مؤتمر لقضايا التنمية انعقد فى القاهرة فيما بين 9 – 18 يوليو 1962، وأنهى أعماله بوثيقة سميت “إعلان القاهرة ” تقع فى 69 مادة تعبر عن تصور الوفود المجتمعة لقضية التنمية ومقتضياتها، وتركز على أهمية التجارة المتكافئة لزيادة موارد دول العالم الثالث عن طريق التصدير إلى جانب زيادة معونات التنمية.

ولقد أدرك عبد الناصر ” أن نمو الاحتكارات العالمية الضخم لم يترك إلا سبيلين للرأسمالية المحلية فى البلاد المتطلعة إلى التقدم: أولهما أنها لم تعد قادرة على المنافسة إلا من وراء أسوار الحمايات الجمركية العالية التى تدفعها الجماهير، وثانيهما أن الأمل الوحيد لها فى النمو هو أن تربط نفسها بحركة الاحتكارات العالمية وتقتفى أثرها، وتتحول إلى ذيل لها. وتجر أوطانها وراءها إلى هذه الهاوية الخطيرة. وعلى هذا النحو توفرت المبررات الكافية لكى ينهج عبد الناصر الاشتراكية، ولكن ماذا تعنى الاشتراكية بالنسبة لعبدالناصر، وما هى حدود فهمه لها؟ تلك مسائل هامة ينبغى التعرض لها.

2- الفهم الناصرى للاشتراكية: تعرض الفهم الناصرى للاشتراكية، أو الجانب الاشتراكى فى الفكر الناصرى لتشويه ضخم من جانب كثير من العناصر التى حاولت إظهار تأييدها للاشتراكية فى عهد عبد الناصر، وبدأت تكتب عن الاشتراكية من وجهة نظرها الخاصة، وإسناد وجهات النظر هذه إلى اشتراكية عبد الناصر. وقد جمع معظم وجهات النظر هذه خط واحد، هو التركيز على خصوصية الرؤية الناصرية للاشتراكية ليس من باب تأصيل هذه الرؤية وفقاً لمعطيات الواقع الاجتماعى القائم، ووفقاً لمصالح القطاعات العريضة من أبناء الشعب صاحبة المصلحة الأولى فى الثورة الاجتماعية التى فجرها عبد الناصر ابتداء من عام 1961، ولكن من باب خلق مجال للاجتهاد الذاتى لكل مجتهـد كى يفـرغ الطـرح الناصـرى للاشتراكية من محتواه الحقيقى.ولقد كان عبد الناصر واعياً لمحاولات هذه العناصر مبكراً عندما ذكر فى حديث له بصحيفة الأهرام 3 فبراير 1960: ” سمعت عمن يرى أن نظامنا نظام وسط بين الأنظمة. وبما أننا فى موقف وسط بين الشرق والغرب، فكذلك يجب أن يكون نظامنا وسطاً بين الشيوعية والرأسمالية. ثم سمعت عمن يرى أنه نظام ابتكرناه، وأننا نؤمن به لأننا لا نقلد به أحداً، ولست أتصور ما هو أكثر بعداً عن الحقيقة من هذه التعليلات. فالحياد ليس موقفاً وسطاً بين الشرق والغرب، ثم إن اتخاذ موقف وسط فى مجالات العقائد الاجتماعية أمر مستحيل. كذلك ليس موقفنا اختراعاً ننفرد به، وإنما هو التعبير الأصيل عن ظروفنا الخاصة “. ولقد شهدت سنوات الستينات خلافات حادة بين فريقين حول مدلول الاشتراكية لدى عبد الناصر حيث يسمى أنصار الفريق الأول الاشتراكية فى مفهوم عبد الناصر بأنها ” اشتراكية عربية “، وكان بعض أنصار هذا الفريق من المخلصين للناصرية وللتجربة ومن المنتمين إليها، وطرحوا هذه التسمية لتمييز فكر الناصرية عن الماركسية، أما البعض الأخر من أنصار هذا الفريق فقد كان يهدف من وراء ذلك إلى الانحراف بالناصرية إلى دروب رجعية قريبة من الطرح الرأسمالى. وكان أنصار الفريق الثانى يطرحون اسم “التطبيق العربى للاشتراكية ” على مفهوم الاشتراكية لدى عبد الناصر، وكان بعضهم من رجال الناصرية، ولكنهم كانوا يؤمنون بوحدة الاشتراكية كنظرية علمية، ولا يرون فى النهج الاشتراكى الناصرى ما يلزم لتمييزه عن الاشتراكية العلمية خصوصاً بعد أن أعلن عبد الناصر أنه يقصد بالاشتراكية التى ينادى بها الاشتراكية العلمية، والبعض الآخر كانوا من العناصر الماركسية التى تعاملت مع عبد الناصر وارتضت زعامته، وكانوا مع التحول الاشتراكى، لكنهم كانوا يعتبرونه خطوة أو مرحلة فى الطريق نحو النظام الشيوعى واعتناق الاشتراكية العلمية كما هى مطروحة فى الأدب الماركسى. وكان من الطبيعى أن يثار مثل هذا الخلاف فى تلك المرحلة التى شهدت التحول نحو الاشتراكية. فقد كانت هذه المرحلة بوصفها انتقالية مرحلة حرجة يتواجد فيها القديم والجديد جنباً إلى جنب دون أن يحسم الصراع بينهما. أنهما يتعايشان إلى حد ما، ومن خلال هذا التواجد يعاد تشكيل الطبقات الاجتماعية من جديد. وبوصفها كانت مرحلة انتقال سلمى، فإن طبيعتها كانت تفرض على كثير من الشعارات الثورية أن تمر بعدة مراحل قبل أن تجد لها مستقراً فى أرض الواقع الخصبة. وبوصفها كانت أيضاً مرحلة انتقال فريدة من الثورة الوطنية التى قادتها الرأسمالية الوطنية أساساً إلى الثورة الاجتماعية، فإنها كانت تنطوى بالضرورة على حلقات أصيلة من التطور، سواء من حيث شكل التطور أو من حيث تسلسل حلقاته. ولقد حسم عبد الناصر هذه الخلافات بنفسه، عندما أوجز فى لقائه بالمبعوثين المصريين رؤيته للاشتراكية قائلاً: ” إن الاشتراكية عموماً هى القضاء على استغلال الإنسان للإنسان، ولكن التطبيق الاشتراكى فى كل بلد قد يختلف عن البلد الآخر. وفيه ناس تحب تسميها الاشتراكية العربية على أساس إن دى اشتراكية لها طابع خاص، أنا رأيى هى تطبيق عربى للاشتراكية، مش هيه اشتراكية عربية. أعتقد إن فيه اشتراكية واحدة، وفيه مبادئ اشتراكية “.وحسم المسألة على هذا النحو من جانب عبد الناصر، يفترض أنه أصبح واعياً تماماً بقضيته الاشتراكية وبقوانينها العلمية، فالاختيار الاشتراكى عنده لم يكن اختياراً انتقائياً أو تلفيقياً بين الفكر الماركسى والفكر الرأسمالى لمجرد إيجاد صيغة توفيقية متفردة تنسب إلى التجربة الناصرية، ولم تكن المسألة عنده تتعلق بمدى اقترابه أو ابتعاده من الماركسية أو الرأسمالية، ولكن المسألة كانت الوصول إلى المنهج الصحيح لفهم قضايا المجتمع العربى ومشاكله، وكيفية الخروج من حالة التخلف المسيطرة على كافة أنحاء الوطن العربى هى انغماس فى الواقع بمشاكله طموحاً إلى إيجاد الحلول المناسبة دون تحجر أمام نظريات جامدة ماركسية أو رأسمالية، ومن هنا تستمد رؤية عبد الناصر للاشتراكية أصالتها وثوريتها، فهى تستمد أصالتها بمدى تعبيرها عن الواقع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى القائم فى الوطن العربى، وتستمد ثوريتها من إدراكها للقوانين العلمية للاشتراكية، ومن إيمانها بوحدة الاشتراكية. وتأكيداً لهـذا الموقع المتقدم للفكر الاشتراكى عند عبـد الناصر، أعلـن عبد الناصر موقفه السياسى صراحة عندما أعلن أنه ” يسارى متطرف ” خلال رده على استنكار الدكتورة حكمت أبو زيد أثناء أحد الاجتماعات الأخيرة للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى قبل وفـاة عبد الناصـر لمسألة استعانة الثورة ببعض أفراد ممن كانت تسميهم باليسار المتطرف – وتقصد الشيوعيين – فى مجال الإعلام والثقافة وبعض المؤسسات الأخرى. فقد كان رد عبـد الناصـر عليها كما هو مسجـل فى مضبطة الجلسة: ” أن الثورة يسارية “، بل قال على نفسه: ” أنا يسارى متطرف “، وأكد أنه لا مكان لليمين المتطرف الذى يشكل العدو الداخلى للثورة.

ونفهـم مـن هـذا كله أن الـرؤيـة التى قدمهـا عبـد الناصـر لـلاشتراكيـة لا تمثل نظرية مستقلة عن كل النظريات الاشتراكية التى ظهرت فى العالم، وليست منفصلة عن الخط الاشتراكى العام، فهى تمثل وجهاً من وجوه النظرية الاشتراكية العالمية، وإضافة لها فى الوقت نفسه حتى فى إطار تسمية هذه الرؤية باسم ” الاشتراكية العربية “.وهذا الفهم أوضحه عبد الناصر بنفسه فى لقائه مع المبعوثين بقوله: “قد يكون هناك خلاف بيننا وبين الشيوعيين. ما عندناش دكتاتورية البروليتاريا، ولكن بنقول ديمقراطية الشعب العامل كله، وبنعترف بالأديان، ولا نؤمن بدموية الصراع الطبقى فى القضاء على الطبقة بالعنف أو بالقوة، وفيه حاجات أخرى يمكن تكون تفصيلية. أنا فى رأيى إن الاشتراكية واحدة، ولكن التطبيق يختلف باختلاف المكان “. ووحدة الاشتراكية لا تعنى أبداً وحدة أو تماثل التجارب الاشتراكية. فكل تجربة اشتراكية تتم فى ظروف مختلفة موضوعياً وذاتياً. وكل شعب بثورته الاشتراكية يضيف إلى التاريخ كما يضيف إلى النظرية، ولم توجد ولن توجد ثورة نقية تسير بالمواصفات الموضوعة سلفاً. فالاشتراكية واحدة ولكن تطبيقها محكوم عندنا بالواقع الوطنى والقومى لبلادنا العربية، وبخصائصها التاريخية، وبتقاليدها الثورية لا بتقاليدها التقليدية العشائرية المتخلفة التى لا تعكس إلا الجانب السلبى فى حضارتنا العربية، وبخصائصها الدينية أيضاً. فليس هناك ما ينفى أو يمنع أن يكون الإنسان مناضلاً اشتراكياً، ويكون فى نفس الوقت مؤمناً متديناً على النحو الذى تتضمنه الإيديولوجية الناصرية.كذلك فإن وحدة الاشتراكية لا تعنى أبداً جمود الفكر الاشتراكى عند صيغ وقوالب معينة. فالاشتراكية واحدة حقاً لكنها متطورة أيضاً. ففى عصر التطور التكنولوجى، وتفجر ثورات التحرر الوطنى فى دول العالم الثالث، وبحث هذه الدول أن الصيغة الملائمة لتنمية مجتمعاتها بعيداً عن النهج والسيطرة الرأسمالية كان لابد أن تكون هناك مراجعات لبعض المقولات الماركسية، مثلما حدث من مراجعات بالنسبة لموضوع دكتاتورية البروليتاريا بقصد تطويره، على غرار موقف الأحزاب الشيوعية فى أوروبا الغربية. كما توصل الكثير من المفكرين الماركسيين إلى إمكانية تعدد المراحل الانتقالية إلى الاشتراكية، وتنوع الأشكال التى تتخذها بالتالى سلطة الشعب العامل. فقد دلت التجربة التاريخية أن الثورة الاشتراكية يمكن أن تنمو من خلال ثورة وطنية، أو من خلال نضال معاد للفاشية والاستعمار، أو من خلال ثورة تحرر وطنى.

وعلى ضوء هذا الفهم لوحدة الاشتراكية يبدو تمايز الرؤية الناصرية للاشتراكية أمراً طبيعياً بقدر ارتباطها بظروف ومعطيات الواقع العربى، ويقدر تعبيرها عن آمال وطموحات القطاعات العريضة من أبناء الشعب العربى. ولا يهم فى مثل هذه الحالة أن تسمى هذه الرؤية ” بالاشتراكية العربية “، أو ” بالتطبيق العربى للاشتراكية ” طالما أنها فى نهاية الأمر امتداد للفكر الاشتراكى العالمى وإضافة متميزة إلى تراثه، لكن الشئ المهم هو إكساب هذه الرؤية أصالتها العربية، وجعلها إفرازاً طبيعياً للواقع العربى وتراثه الحضارى، والتأكيد على خصوصيتها من هذا المنظور. أسس ومقومات الرؤية الناصرية للاشتراكية:تكتسب الرؤية الناصرية للاشتراكية خصوصيتها وتميزها عن كثير من التجارب الاشتراكية عامة، وعن كثير من مقولات الماركسية خاصة بكونها تستند وترتكز على مجموعة من الأسس والمقومات تختلف عن الركائز الأساسية التى تتميز بها الماركسية، وتعد هذه المقومات والأسس تعبيراً صادقاً عن واقع المجتمعات العربية، وفهماً أكيداً لذاتية الشخصية العربية وتراثها الحضارى، ولكنها، وفى نفس الوقت مقومات غير متناقضة مع القوانين العلمية للاشتراكية. وهى بذلك تجعل من الرؤية الناصرية للاشتراكية إضافة متميزة للتراث الاشتراكى العالمى.

ومن خلال تحليل عناصر الفكر الاشتراكى الناصرى يمكن تحديد أربعة مقومات أساسية ارتكزت عليها الرؤية الناصرية للاشتراكية، وحاول عبد الناصر ترسيخها فى تجربته الاشتراكية التى بدأت من الناحية الفعلية فى عام 1961، وسط ظروف قاسية داخلياً وعربياً ودولياً كانت تستهدف كلها إجهاض تجربة التحول الاشتراكى وإسقاط النظام الناصرى ككل. وهذه المقومات هى: تذويب الفوارق بين الطبقات، وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية بتأكيد سيادة تحالف قوى الشعب العاملة، والعدالة التوزيعية، والتخطيط القومى الشامل. 1- تذويب الفوارق بين الطبقات: ارتبطت سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات بفهم واضح ومحدد للطبقة ووظيفتها الاجتماعية، وبوعى وإدراك لمسألة الصراع بين الطبقات ومضمون الاستغلال الطبقى ونتائجه. ويمكن القول أن سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات تشكل الهدف الأساسى للفلسلفة الاشتراكية فى مصر، بحيث يمكن الاعتماد عليها فى تلخيص السياسات الاشتراكية فى النظام الناصرى، وبحيث يمكن القول أن المجتمع الذى كانت تهدف الناصرية إلى إقامته هو مجتمع تذويب الفوارق بين الطبقات. 2- الصراع الطبقى عند عبد الناصر: تطورت رؤية عبد الناصر للصراع الطبقى عبر ثلاث مراحل يمكن تمييزها من خلال خطبة وأحاديثه. ففى المرحلة الأولى التى تمتد من عـام 52 – 1957 تقـريبـاً لم يكـن لـدى عبـد الناصر نظرية متكاملة للصراع الاجتماعى، واقتصر موقفه على اتخاذ بعض الإجراءات التى كانت تهدف إلى تحقيق مطلب الدولة الاجتماعية الذى جاء كهدف من أهداف الثورة الستة.

وكان إجراء الإصلاح الزراعى على سبيل المثال، واحداً من هذه الإجراءات التى كانت تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. ولكن موقف عبد الناصر الاجتماعى شهد تطورات هامة عندما بدأ يفرق بين الطبقات الشعبية المستغلة (بفتح الغين) وبين الطبقة صاحبة المصالح المستغلة (بكسر الغين) وإرجاع سطوة وسيطرة الطبقة المستغلة (بكسر الغين) لاحتلالها للقوة الاقتصادية والقوة السياسية، لكن رؤية عبدالناصر طوال تلك الفترة ظلت رؤية إصلاحية لا تتسم بالشمول وتقنع برفع شعار العدالة الاجتماعية فى قطاع خاص هو القطاع الريفى دون أن يمتد إلى القطاع الصناعى والعمالى بشكل واضح. وهذا الموقف شهد تطوراً جذرياً فى الفترة من 1957 – 1961 ولحين صدور الميثاق الذى بلور النظرية المتكاملة عن الصراع الطبقى لدى عبد الناصر. ولقد عبر عبد الناصر عن هذا التطور الذى لحق بفكره الاجتماعى وموقفه من الصراع الطبقى بشكل واضح فى خطابه الذى ألقاه فى المؤتمر التعاونى الذى عقد بجامعة القاهرة فى 5 ديسمبر (كانون أول) 1957، حيث قال: ” فى أول الثورة كنا نقول بالقضاء على الاستبداد السياسى والظلم الاجتماعى.

وبعد ذلك تطورنا وابتدأنا نقول بالقضاء على الاستغلال، كما نقول بالقضاء على السيطرة المعتدية من الخارج. ابتداء من اليوم نقول بالقضاء على السيطرة من الداخل. ابتدأنا نحقق هدفاً رئيسياً من أهداف الثورة وهو القضاء على الإقطاع، القضاء على الاحتكار، القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم. ابتدأنا اليوم ننتقل إلى مرحلة جديدة.. إننا نهدف إلى إقامة مجتمع اشتراكى ديمقراطى تعاونى، متحرر من الاستغلال السياسى والاستغلال الاقتصادى والاستغلال الاجتماعى”.ومع بداية هذه الفترة بدأ يظهر بوضوح تصاعد الخط الثورى فى رؤية عبد الناصر للصراع الاجتماعى، وتبرز شيئاً فشيئاً زيادة دقة التحليل الطبقى الذى يقدمه للواقع المصرى، وعميق فهمه لحدة التناقضات الاجتماعية. وأصبح “الاستغلال” قيمة واضحة ومحددة تماماً عنده، فقد كان يعتبره المصدر الأساسى والمسئول الأول عن التناقضات الاجتماعية القائمة، وانعكاساتها على مستوى الممارسة السياسية. لكن على الرغم من وعى عبد الناصر بحدة التناقضات الاجتماعية القائمة فى المجتمع المصرى، ومدى استغلال الطبقة البورجوازية للطبقات الشعبية العاملة فإنه كان يرى أن وظيفة السلطة الثورية التى تمثلها أجهزة الدولة هى الحد من الصراعات الطبقية، واتخاذ موقف الحياد من هذه الصراعات وبدأ ينادى فى هذا الوقت بضرورة وجود قيادة اقتصادية “تنظم وتنسق النشاط فى الميادين المختلفة العامة والخاصة. القيادة الاقتصادية هذه يلزم أن تكون موجودة للدولة التى هى لها الولاية، والتى تحمى كل طبقة من الأخرى، وكل صاحب مصلحة من صاحب المصلحة الأخرى، والحكومة هى التى تجعل التوافق كاملاً بين جميع المصالح، وبين جميع الطبقات فى نفس الوقت “.

وهذا الفهم لدور الدولة كان يعكس سيطرة نظريات التوازن الاجتماعى على فكر عبد الناصر، وهذه النظريات تصدر عن فكرة محددة تصور المجتمع باعتباره نسقاً من الأفعال تعمل تحت مظلة ثقافة مشتركة تتسم بالاتفاق حول القيم الأساسية التى تقوم عليها. وتقوم هذه النظريات على أساس تحليل خاص للأنساق الاجتماعية يطلق عليه ” التحليل البنائى الوظيفى “. والمفهوم الأساسى الذى يرتكز عليه تحليل المشكلات الخاصة بالأنساق الاجتماعية مثل: المشكلات الاجتماعية والانحراف والصراع الطبقى هو “تصدع القيم ” الذى يعنى عدم التوازن الذى يصيب أحياناً الأنساق الاجتماعية، أو ما يطلق عليه ” التفكك الاجتماعى “. وتصدع القيم يعنى وجود ثغرة فى التنظيم الاجتماعى الذى يكشف عنها ضعف أجهزة الضبط الاجتماعى. والتوازن والاستقرار، واحترام السلطة القائمة، وعدم المساس بالنظام القائم، والنمو المتدرج أو المتطور من أهم القيم التى تدعو إليها هذه النظريات. وكانت دعوة عبد الناصر إلى “حيادية السلطة” وجعل التوافق كاملاً بين مصالح جميع الطبقات تعبيراً عن هذه القيم. إلا أن الأمر تغير كثيراً فى الفترة اللاحقة ابتداء من عام 1960، 1961، بعد اصطدام عبد الناصر بالبرجوازية المالية والصناعية التى عزفت عن المشاركة فى خطة التنمية، وتأكده من أنها لا تعمل لصالح المجتمع ولكن كل ما يهمها هو صالحها الخاص. فقد تخلى عبد الناصر عن اعتناقه لنظريات التوازن، وأكد انحياز الدولة لصالح الطبقات الشعبية، وضمن الميثاق خلاصة فكره الاجتماعى ورؤيته للصراع الاجتماعى والتوازن الطبقى، حيث أكد على “حتمية الصراع الطبقى” طالما كان هناك استغلال وقهر من طبقة لطبقة أو لطبقات أخرى. وكان إدراكه لمغزى الاستغلال أوسع من مغزاه الاقتصادى، حيث كان يربط بين الاستغلال الاقتصادى وتأثيره على العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الطبقات وبين الأفراد.ففى لقائه بالشباب أعضاء منظمة الشباب الاشتراكى فى معسكرهم بحلوان أكد عبد الناصر على أنه لا يمكن أن تكون هناك حرية من أى نوع فى مجتمع يقوم على استغلال الإنسان للإنسان ” لا يمكن أن تكون حرية سياسية أو حرية فردية مهما قيل عن الحرية طالما كان هناك استغلال، وطالما كان هناك تحالف بين الإقطاع وبين الاستغلال الرأسمالى. لابد أن يكون للاستغلال نفوذ، وبهذا تكون الحرية السياسية كلمة فى الهواء ضائعة “.

وبتحديده لمعنى وحدود الاستغلال أصبح عبد الناصر يفرق بين الشعب وبين أعداء الشعب، ” الشعب هو جميع الفئات التى تساند الثورة الاشتراكية – وليس اليفط الاشتراكية – وتساند الثورة الاجتماعية والبناء الاشتراكى. وأعداء الشعب جميع القوى التى تناهض هذه الثورة الاشتراكية، والثورة الاجتماعية وهدفهـا القضـاء على النظام الاشتراكى “. ويخرج عبد الناصر من هذه التفرقة الهامة بين الشعب وأعداء الشعب إلى تفرقة أخرى لا تقل أهمية عنها بقوله: ” إن هناك تناقضاً واضحاً بين الشعب الذى يريد الثورة الاجتماعية ويريد التحرر من الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعى، وبين الأقلية التى تريد مجتمعاً يسوده الاستغلال السياسى والاقتصادى والاجتماعى.وعلى هذا فإن قوى الصراع الاجتماعى تصبح محددة تحديداً موضوعياً ومفروزة إلى قوى الثورة والقوى المضادة للثورة على أساس تلازم أو تعارض مصلحتها مع عملية التغيير الثورى. فقوى الثورة هى القوى التى لها مصلحة فـى عمليـة التغيير وتضم: الفلاحين والعمال والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية غير المستغلة، وهؤلاء يمثلون الجماهير الكادحة التى عانت من الاستعمار ومن الاستغلال والتخلف والتجزئة فى الوطن العربى. وتتطلع إلى تحقيق أهدافها فى الحرية والاشتراكية والوحدة. أما القوى المضادة للثورة فهى قوى الإقطاع ورأس المال المستغل والاستعمار وعملاء الاستعمار والصهيونية العالمية. وهؤلاء لهم مصلحة فى بقاء الأوضاع على ما هى عليه من تبعية وتخلف وتجزئة ولهذا فهم يتصدون للثورة ولعملية التغيير الثورى ويحاولون إجهاضها.

مستويان للصراع الطبقى:على أساس طبيعة هذه القوى أقامت الناصرية تحالفاً يجمع قوى الثورة صاحبة المصلحة فى التغيير الاجتماعى تلك القوى التى خضعت لسنوات طويلة لاستغلال الإقطاع والرأسمالية. وأكدت على حتمية الصراع بين تحالف قوى الشعب العاملة وبين القوى المضادة للثورة، والمستغلة للشعب ومصالحه. ومن خلال هذه التفرقة بين قوى الشعب العاملة وبين أعداء الشعب وضع عبد الناصر مستويين للصراع الطبقى.المستوى الأول: مستوى رأسى للصراع:ويدور بين قوى الشعب العاملة وبين القوى الرجعية المتمثلة فى تحالف الإقطاع ورأس المال المستغل؛ أى أنه يقسم المجتمع إلى قسمين: القسم الأول يجمع بين القوى الشعبية المستغلة (بفتح الغين) ذات المصلحة فى القضاء على الاستغلال واحتكار السلطة، وذات المصلحة فى إنجاح الثورة الاجتماعية، أما القسم الثانى فيجمع القوى المستغلة (بكسر الغين) التى تمارس استغلالها للشعب، وتفرض سيطرتها على السلطة. والصراع بين القسمين حتمى وضرورى، وهذا المستوى من مستويات الصراع يستلزم ضمن ما يستلزم لحله استخدام العنف ضد القوى المعادية للثورة الاجتماعية وللشعب صاحب المصلحة فى هذه الثورة إذا ما رفضت التخلى عن أدواتها فى الاستغلال والسيطرة.ففى حديثه مع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية قال: ” نحن فى الميثاق لم نستبعد العنف، وقلنا إذاً الرجعية لم تسر معنا، وإذا أخذت فترة لتهاجم مجتمعنا بندخل معها فى العنف إلى أقصى حد ممكن”. وفى حديث آخر ذكر تفصيلياً إجراءات حل الصراع بين تحالف قوى الشعب وبين أعداء الشعب حيث قال: ” لا زلنا على استعداد أن نحل التناقضات مع أعداء الشعب بالطرق السلمية، ولكن لسنا على استعداد بأى حال أن نسمح بوضع العراقيل فى وجه ثورة الشعب الاجتماعية بإعطاء الرجعية فرصة لتضرب ثورة الشعب، وتضرب الثورة الاشتراكية، من واجبنا أن نحمى كفاح الشعب ومكاسب الشعب، فلا بد من تجريد الرجعية من اسلحتها، هذا الأسلوب، وهناك أساليب أخرى تصل إلى المحاكمة، تصل إلى الحرمان، تصل إلى نواح كثيرة، وتأكيداً لجدية موقفه تجاه محاولة الرجعية الاعتداء على مكتسبات الشعب الاشتراكية أعلن ” لو تحركت الثورة المضادة للانقضاض على منجزات الثورة لأرتديت لهم الكاكى، ونزلت إلى الشارع أدافع عنها بدمى.المستوى الثانى: مستوى أفقى للصراع:ويدور بين قوى الشعب العاملة أعضاء التحالف، وهذا الصراع طبيعى فى ظل التنوع والاختلاف فى المصالح بين قوى الشعب العاملة، بين العمال والفلاحين، بين المثقفين والجنود، بين الرأسمالية الوطنية والعمال والفلاحين أو باقى أعضاء التحالف. وهذا الصراع هو الذى ينبغى أن يكون حله “سلمياً” فى إطار الوحدة الوطنية وعن طريق تذويب الفوارق بين الطبقات، ويوضح عبد الناصر طبيعة هذا الصراع بقوله: ” فى داخل الشعب سنجد إذن خلافات واختلافات لا تنتهى ولن تنتهى، وعلينا أن نحلها بالطرق السلمية لكى نخفف آثارها: بالديمقراطية، والحرية والنقاش، والتصحيح، والفهم وتحديد الخطأ وتحديد الصواب.

وهذا التمييز بين الشعب وأعداء الشعب، وهذه التفرقة بين نوعى الصراع نطرح أمرين فى غاية الأهمية: الأول، أن الخلط بين الخلافات داخل الشعب من ناحية والتناقضات بين الشعب وأعداء الشعب من ناحية أخرى، وترك الميدان خالياً لتحركات الرجعية الداخلية يفتح الطريق أمام ضرب التحول الاشتراكى من أساسه، الثانى، إن الموقف السلبى إزاء الخلافات بين فئات الشعب وعدم المبادرة إلى حلها – ديمقراطياً – سواء عن تردد أو جزع أو عدم فهم للتفاعلات الاجتماعية، يفتح الطريق أمام التلقائية، ويقود إلى أخطاء فادحة تهدد وحدة المجتمع الاشتراكى.والآن ما هى الخاصية الأساسية للمجتمع الاشتراكى عند عبد الناصر، على ضوء هذا الفهم للصراع الطبقى ومستوياته؟ نستطيع من خلال تحليل الميثاق والخطب والأحاديث التى أدلى بها عبد الناصر أن نقول أن المجتمع الاشتراكى الناصرى هو مجتمع تحالف قوى الشعب العاملة، فهو ليس من ناحية مجتمع التعدد الطبقى الملىء بالصراعات والانقسامات الاجتماعية الذى يؤكد سلطة وسيطرة البرجوازية الكبيرة على باقى الطبقات المطحونة، وليس هو مجتمع دكتاتورية البروليتاريا، فلم يقبل عبد الناصر، كما ذكر فى كثير من أحاديثه، إقامة دكتاتورية البروليتاريا فى مصر فقد أكد فى حديثه مع اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطنى للقوى الشعبية “أننا لن ننتقل من دكتاتورية طبقة إلى دكتاتورية طبقة أخرى لأننا بذلك سندخل فى حرب أهلية، ولكننا نريد أن ننتقل من دكتاتورية الرجعية إلى ديمقراطية الشعب بأجمعه”.والتحليل الكمى لأحاديث وخطب عبد الناصر يؤكد أنه على الرغم من يقين عبد الناصر بأن العالم السياسى والحياة السياسية صراعية ومليئة بالصراعات إلا أنه ظل دائماً مؤمناً بأن ممارسة الصراع على المستوى المحلى بين الطبقات ستكون نتائجه خاسرة، فهو يرى أن هذا الصراع سيكون حرباً أهلية لن يأتى من ورائها إلا الخراب، لذلك رأى أن يكون الحل هو تجريد الرجعية من أسلحتها المال والسلطة، من ناحية وتذويب الفوارق بين الطبقات الشعبية من ناحية أخرى.ومن خلال تحليل خطب وأحاديث عبد الناصر يمكن القول: 1- أنه على الرغم من رؤية عبد الناصر للحياة السياسية كحياة مليئة بالصراعات إلا أنه كان يتخوف من ممارسة الصراع، ومن هنا كان حرصه على أنه يتحرك بما لديه من سلطة ليحل الصراع سلمياً دون إراقة دماء.

وهذا لا يعنى أن عبد الناصر كان حريصاً على “تجميد الصراع” أو “تأميمه” كما يقول بعض الباحثين، ولكنه كان لا ينظر إلى الصراع كغاية فى حد ذاته، وكان لا يحبذ ترك الأمور على علاتها حتى يتم الصراع بين الطبقات الاجتماعية لأن النتائج ستكون وخيمة، وكان يفضل أن يحل الصراع سلمياً طالما أنه قادر على ذلك بما لديه من سلطة بصفته رئيساً للدولة. 2- أنه لا يقصد من وراء حل الصراع إقامة دكتاتورية البروليتاريا، ولكنه كان يرى أن معظم طبقات الشعب الفلاحين والمهنيين بما فيهم الموظفين والمثقفين وكذلك الجنود والرأسماليين الوطنيين قد عانوا من الاستغلال والاستبداد مثل إن لم يكن أكثر من معاناة الطبقة العاملة، ومن ثم فهم أصحاب حقوق فى التغيير الثورى وفى توجيه الثورة لصالحهم، ومن هنا كان الاتجاه نحو أقامة ديمقراطية تحالف قوى الشعب العاملة كبديل لدكتاتورية البروليتاريا انعكاساً لظروف وواقع البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فى مصر، اعتماداً على اتباع أربع سياسات هى: تذويب الفوارق بين الطبقات، وسيطرة الشعب على وسائل الإنتاج والسلطة السياسية، والعدالة التوزيعية والتخطيط الشامل للاقتصاد الوطنى.

– سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات: يقصد بسياسة تذويب الفوارق بين الطبقات كسر حدة الجمود الطبقى الذى ساد مصر قبل الثورة، وأدى إلى تقسيم الشعب إلى طبقات مالكة (البرجوازية الزراعية – البرجوازية الصناعية) وطبقات أخرى محرومة ولا تملك إلا قوة عملها. وأمام هذا الوضع فإن سياسة تذويب الفوارق بين الطبقات تهدف إلى ضمان السيولة الاجتماعية، أى ضمان سيولة الانتقال بين الطبقات المختلفة، وهو ما يفترض:

– تصفية الطبقات التى تملك ولا تعمل، والتى تعيش على دخل بلا عمل، والتى يصعب الانتقال إليها، والتى لا يمكن أن تتعايش مع الطبقات الأخرى: وتتطلب تصفية هذه الطبقات النزول بملكياتها إلى المستوى الذى يلزم أصحابها بالعمل، ومعنى ذلك أن تذويب الفوارق بين الطبقات يستلزم فرض العمل على مختلف الطبقات بحيث يتحول أفراد المجتمع جميعاً إلى عاملين، سواء كانوا يعملون فى ملكهم أم بصفتهم أُجراء.

– ضرورة أن يصبح العمل أساساً للقيمة الاجتماعية للفرد، وأن يصبح المصدر الأساسى للدخل، وبذلك لا تتحدد مكانة الفرد الاجتماعية بناء على الامتيازات الطبقية الموروثة، بل بناء على دوره فى المجتمع، بحيث يمكنه أن يغير من هذه المكانة بتغيير هذا الدور، وهو ما يعنى ألا تكون الطبقات فئات اجتماعية مغلقة، وأن تفقد بذلك معناها التقليدى.

– ضمان التقارب بين الطبقات الأخرى، وذلك بالحد من الثروات والدخول الكبيرة، وبرفع مستوى معيشة الطبقات الفقيرة.

– إقرار مبدأ تكافؤ الفرص عملاً، وخاصة فى نطاق الخدمات الأساسية اللازمة لحياة الإنسان، ولتنمية قدراته ومثلها التعليم والعلاج. ويلعب التعليم المجانى دوراً محوراً فى تذويب الفوارق بين الطبقات بفتحه مجال الحراك الاجتماعى إلى أعلى أمام كل قادر على إثبات كفاءته فى مختلف الأنشطة والوظائف.معنى هذا كله أن تذويب الفوارق بين الطبقات يعنى ضمان السيولة الاجتماعية، أى ضمان سهولة الانتقال بين الطبقات بحيث لا تقوم عوائق من القانون أو من الواقع تحول أو تعرقل دون جهود الأفراد فى هذا السبيل، وبذلك تحل ظاهرة “الفئات الاجتماعية المفتوحة” محل ظاهرة الطبقات المغلقة، وتعنى ظاهرة الفئات الاجتماعية المفتوحة أن ينقسم المجتمع إلى عدة فئات اجتماعية مختلفة يكون لكل منها دورها الاجتماعى الخاص، كما تعنى أن يتحدد انتماء الفرد إلى أى فئة – من هذه الفئات بناء على قدراته وعلى دوره الاجتماعى.وتذويب الفوارق بين الطبقات لا يعنى توحيد الدور الذى تقوم به مختلف الفئات الاجتماعية فى عملية الإنتاج، ذلك أنه لا يعنى إلغاء الملكية الخاصة لأدوات الإنتاج إلغاءً كاملاً، ولا يعنى تحويل جميع الأفراد إلى أُجراء.

فالتذويب لا ينفى أن تستمر فئة تملك بعض أدوات الإنتاج فى بعض القطاعات وأن تستمر فئة أخرى تقدم العمل، على أن يسهل على الفرد أن يغير دوره فى عملية الإنتاج وأن ينتقل بذلك من فئة اجتماعية إلى فئة اجتماعية أخرى. وهذه النقطة فى غاية الخطورة إذ كيف سيغير العامل الأجير دوره فى عملية الإنتاج ويصبح مالكاً لأدوات الإنتاج؟ ما هى الكيفية المشروعة لهذا الانتقال؟ قد يكون التعليم أداة جيدة للانتقال إلى فئة اجتماعية مختلفة لكنه بحكم مستويات الأجور المتاحة لا يمكنه من الانتقال إلى الرأسمالية المالكة. وقد ترتب على هذه الثغرة نتائج خطيرة إذ تحولت الرأسمالية غير المستغلة فى فترة حكم عبد الناصر إلى رأسمالية طفيلية مستغلة فيما بعد.كذلك لا يعنى تذويب الفوارق بين الطبقات توحيد مستويات المعيشة بين مختلف الأفراد؛ نظراً لاختلاف كفاءات وقدرات الأفراد، كما أنه لا يتضمن تصفية أفراد الطبقة البرجوازية الزراعية أو الصناعية بل يقتصر على تصفية قدرتهم على الاستغلال مع المحافظة على حق الإرث الشرعى.2- سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية: تعتبر سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج وعلى السلطة السياسية من أهم مقومات وخصائص النظام الاشتراكى فى الفكر الناصرى. وتتم هذه السيطرة عن طريق الملكية العامة لوسائل الإنتاج والتى تعنى أن المجتمع فى مجموعه يملك وسائل الإنتاج، وأن المجتمع قد ملك الفرصة لكى يخطط لعمليات الإنتاج ولكى يضعها تحت رقابته. وإذا كانت الملكية العامة لوسائل الإنتاج هى الصورة الأساسية للملكية فى المجتمع الاشتراكى الناصرى فإن هذا لا يعنى ضرورة القضاء على الملكية الفردية لأدوات الإنتاج كلية، ليصبح المجتمع مجتمعاً إشتراكياً، وذلك لأن الانتقال من الملكية الفردية لوسائل الإنتاج إلى الملكية العامة لهذه الوسائل ليس مقصوداً لذاته وإنما هو وسيلة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التى تعوق تقدم الإنتاج وتنميته. فعلى سبيل المثال أقر التطبيق الاشتراكى الذى تم فى عهد عبد الناصر تحقيق سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج من خلال إقامة قطاع عام يشمل أكثر من 80% من أدوات الإنتاج فى الصناعة، وكل الهياكل الرئيسية للإنتاج وكل تجارة الاستيراد وثلاثة أرباع تجارة الصادرات، وكل تجارة الجملة فى الداخل، وكل البنوك وشركات التأمين. وفى نفس الوقت يترك الفرصة متاحة أمام القطاع الخاص ليمارس دوره فى التنمية وسط ظروف لا تسمح بالاستغلال، وفى مجالات بعيدة عن العمل فى الهياكل الأساسية لعملية الإنتاج، مع التأكيد المستمر على أن يبقى نشاطه تحت سيطرة القطاع العام المملوك للشعب، وأن يعمل فى ظله وبتوجيه منه، ومع الحذر من احتمالات نموه الاحتكارى واحتمالات تلاعبه واحتمالات انحرافه ومع اشتراط عدم الاستغلال.

واستوجبت ملكية الشعب لوسائل الإنتاج ضرورة إجراء تفرقة فى المجال العقارى أرضاً وبناءً بين الملكية المستغلة (بكسر الغين) أو التى تفتح الطريق للاستغلال والملكية غير المستغلة. ولقد كان معيار الضبط فيما يتعلق بما إذا كانت ملكية عقارية ما مستغلة أم غير مستغلة أمراً صعباً الأمر الذى أدى فيما بعد إلى تضخم القطاع العقارى حتى إننا نشهد اليوم تحويل بعض أجزاء هذا القطاع إلى ما يشبه الاحتكار فى المقاولات والمبانى والتغلغل إلى قطاعات إنتاجية أخرى.أما فى المجال الزراعى فلم يستوجب تمليك الشعب لوسائل الإنتاج تأميم الأرض وتحويلها إلى الملكية العامة، وإنما أقر – استناداً إلى الدراسة وإلى التجربة – بالملكية الفردية للأرض فى حدود لا تسمح بالإقطاع. وحرص بذلك على تأكيد أن الأمر مصدره هنا (الدراسة والتجربة) لا الصدور عن الأنماط الفكرية المسبقة التى تدافع عن الملكية الخاصة أو العامة فى ذاتها، وتعلو بها عن أن تكون مجرد وسيلة فى يد الشعب. لكن التفرقة بين الملكية المستغلة والملكية غير المستغلة كانت أمراً دائماً ومؤكداً، والحرص على دعم الملكية الزراعية “بالتعاون الزراعى على امتداد مراحل عملية الإنتاج فى الزراعة من بدايتها إلى نهايتها كان واجباً. وأكد الميثاق على أن نجاح المواجهة الثورية لمشكلة الأرض، هذه المواجهة القائمة على زيادة عدد الملاك، لا يمكن تعزيزه إلا بالتعاون الزراعى وإلا بالتوسع فى مجالات الحد الذى يكفل للملكيات الصغيرة للأرض اقتصاداً قوياً ونشيطاً “. ويتضح من الدراسة التفصيلية للقواعد التى وضعت لتأكيد ملكية الشعب لوسائل الإنتاج الحرص والتأكيد المستمر على رفض النظام الرأسمالى والانحياز للاشتراكية وقواها الشعبية وتحديد دور تابع للقطاع الخاص يخضع فيه لإشراف القطاع العام بشروط أربعة هى:

– أن يكون رأسمالية محدودة الحجم بحيث تستند إلى ظاهرة اندماج العمل ورأس المال، أى بحيث يشترك أصحابها فى عملية الإنتاج.

– أن يعمل على خدمة الاقتصاد القومى فى إطار خطة التنمية بالإضافة إلى خدمة مصالحه الخاصة.

– ألا يقع تحت سيطرة الاحتكارات العالمية، وهو ما يترتب بالضرورة على صغر حجمه.

– أن يبتعد عن الاستغلال.ومجمل هذه الشروط تؤكد أن النظام الاشتراكى الناصرى يستهدف بحق شمول السيطرة الشعبية على كافة المؤسسات الاجتماعية، ولم يعمل على حماية الملكية الخاصة فى ذاتها كقيمة وإحاطة احترام الملكية الخاصة بدعاوى الحرية والكرامة والغرائز الإنسانية والكفاية والتراث والدين، مما يخرجها عن إطار التنظيم الاجتماعى الخاضع للشعب، فالأمر بالنسبة للملكية الخاصة كفاية وعدل فحسب، والاختيار يتعلق بمدى ملاءمة الأنماط المختلفة للتنظيم الاجتماعى فى تحقيق هذين الهدفين: الكفاية والعدل، فى ظروف الزمان والمكان، مع الصدور عن خبرة شعبنا والاسترشاد بخبرة الشعوب الأخرى.أما فيما يتعلق بالسيطرة السياسية لقوى الشعب العاملة صاحبة المصلحة فى إحداث التغيير الاقتصادى والاجتماعى المطلوب فإنها شرط أساسى حتى يتمكن المجتمع من نقل الملكية الفردية لوسائل الإنتاج الرئيسية إلى الملكية العامة. إذ لا يمكن تصور حدوث هذا الانتقال فى الملكية مع بقاء السيطرة السياسية للرأسمالية أو الإقطاع.وكما أن هذه السيطرة السياسية على أجهزة الحكم ضرورية لإحداث التغيير المطلوب، فهى ضرورية كذلك لإدارة الاقتصاد القومى بعد السيطرة على وسائل الإنتاج وضمان مشاركة الجماهير فى عملية البناء والتقدم الاجتماعى والاقتصادى وضمان عدالة التوزيع بين الدخول بما يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، وذلك عن طريق مؤسسات وتنظيمات قوى الشعب العاملة التى تتيح التعرف الصادق والأمين على المشكلات التى يقابلها المجتمع فى تطوره، وتدير الحوار حراً بهدف إيجاد الحلول اللازمة لها.

ولقد كان الاختيار الناصرى لتأكيد سلطة الشعب السياسية هو إقامة تحالف جديد بين الطبقات المنتجة فى تنظيم ثورى طليعى يهتدى بالفكر الاشتراكى، ويعمل على تحقيق مصالح الشعب وإدارة الاقتصاد القومى والإشراف عليه. ولم يأت هذا الاختيار من فراغ ولكنه، وكما أكد عبد الناصر جاء تحالفاً ثورياً فرضته مجموعة من الاعتبارات الهامة. أولها ضرورة المزج بين الاشتراكية والديمقراطية، فبدون الاشتراكية التى هى مضمونها تحرير الفرد من الاستغلال لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية، وبدون الديمقراطية التى هى فى مضمونها إشراك كل فرد فى التوجيه لا يمكن أن تكون هناك اشتراكية. وكان من المستحيل أن تعيش الديمقراطية فى ظل سيطرة الإقطاع واحتكار رأس المال. وكان من الصعب أن تتحقق الاشتراكية فى ظل تحكم الأقلية، وبالتالى كان لابد من إيجاد الشكل الذى يمزج بين الديمقراطية التى هى اشتراكية السياسة وبين الاشتراكية التى هى ديمقراطية الاقتصاد. وثانياً: هدف تحقيق الوحدة القومية وهو هدف ضرورى لسلامة العمل الوطنى، وثالثها تحقيق التعبئة الاجتماعية لكل الطبقات التى هى الوسيلة الوحيدة لدفع التطور فى جميع مجالاته بسرعة وكفاية.لذلك كان تحالف قوى الشعب العاملة هو الاختيار الطبيعى فى ظل كل هذه الأهداف وكان الاتحاد الاشتراكى هو أداته فى السلطة. ” سلطة الثورة وسلطة الجماهير صانعة الثورة. سلطة تحالف هذه الجماهير العاملة من الشعب. سلطتها الديمقراطية”.

3- العدالة التوزيعية: يعبر مطلب العدالة التوزيعية عن أزمة محورية من الأزمات التى تواجه البلاد النامية على وجه العموم وهى “أزمة التوزيع”، وهى من الأزمات التى يلتقى فيها علم السياسة بعلم الاقتصاد حيث يقوم النظام السياسى بدور “الموزع” فى المجتمع. وبصفة عامة فإن كل القرارات السياسية ذات طابع توزيعى. وإن كانت أزمة التوزيع تشير على وجه التحديد إلى تلك القرارات والسياسات المتعلقة بتخصيص الموارد وتوزيعها، وهنا تظهر مشكلة فى عملية التوزيع بين الاعتبار الفنى والاقتصادى وهو أن يكون التوزيع على أسس تتعلق بنوعية العمل، وبين الاعتبار الاجتماعى أو الإيديولوجى الذى يفرض الالتزام بمفهوم العدالة الاجتماعية فى التوزيع.ولقد اهتم عبد الناصر بالربط بين مفهومى “الاستغلال” و”العدالة التوزيعية”، وجعل معيار العدالة فى النظام الاشتراكى الناصرى أن ” يأخذ كل بقدر ما يعطى ” أى أن يأخذ كل بقدر الخدمة التى يقدمها للمجتمع، سواء جاءت هذه الخدمة من عمل أو من رأس المال غير المستغل. فإذا تقاضى شخص أكثر مما أعطى، أى أكثر من قيمة الخدمة التى يقدمها للمجتمع فإنه “يكون مستغلاً” ” بقدر الفرق بين قيمة ما أعطى وقيمة ما أخذ”.وواضح أن هذا المفهوم عن العدالة يسلمنا إلى فكرة “الثمن العادل” و”الأجر العادل”. وهنا نسلم بأن السوق ليس قادراً على تحديد هذا الثمن العادل؛ وذلك نظراً لعدم تكافؤ القوى الاجتماعية والاقتصادية التى تتقابل فيه.

وأمام هذا الوضع يكون من الضرورى، حتى نحول دون الاستغلال، أن تتوقف حرية التعاقد، وأن تقوم الدولة بتحديد الأثمان والأجور على أساس إعطاء كل عامل من عوامل الإنتاج بقدر إنتاجيته أى بقدر مساهمته فى العملية الإنتاجية، وهذا يتطلب من الدولة تقدير مدى مساهمة كل عوامل الإنتاج فى هذه العملية، وهى عملية صعبة ومعقدة للغاية من الناحية الفنية، لكنها لا تخضع فقط للاعتبارات الفنية ولكنها أسيرة الرؤية الاجتماعية، التى ترى أن العمل هو مصدر الإنتاج وهو مصدر الثروة القومية كلها، ومن ثم فإن توزيع الدخل على أساس العمل الحقيقى المبذول هو الهدف النهائى، وهو مفهوم الاشتراكية الواضح البسيط، وهو ما يحقق إلغاء استغلال الإنسان للإنسان، والاستغلال هو الحصول على دخل بلا عمل أو بلا خدمة، أو بما يفوق ما يقدمه الفرد من أثمان وخدمات.ولقد كان عبد الناصر حريصاً على تأكيد أن “المساواة فى الاشتراكية، هى مساواة فى الفرصة المتكافئة، التى هى الرد الاشتراكى على الامتيازات الطبقية وليست المساواة المطلقة التى تساوى بين الأفراد دون اعتبار للعطاء وللدور الذى يقوم به كل فرد. المساواة فى المفهوم الناصرى هى “المساواة العادلة” تماماً مثلما أن الحرية فى المفهوم الناصرى هى “الحرية العادلة” التى لا تتجاوز احترام حقوق الآخرين. المساواة العادلة هى التى تراعى التمايز فى العطاء والأداء بين الأفراد وتتحق عن طريق الالتزام الصارم بتوفير “الفرص المتكافئة” لكل الأفراد، وبعدها يكون التمايز عدلاً بقدر التمايز فى استفادة كل فرد من تلك الفرص المتكافئة مع الآخرين. فبعد الفرصة المتكافئة لكل مواطن، فإن كل مواطن هو الذى يحدد بنفسه، وبقدراته الذاتية، دوره فى المجتمع، ومقدار ما يحصل عليه من هذا المجتمع”. تلك هى جوهر العدالة، فعن طريق إعطاء الفرصة المتكافئة للمواطنين، وبتقدير الأجر بمدى المساهمة فى العمل والإنتاج وأن يأخذ كل مواطن بقدر عمله وخدمته تتحقق العدالة التوزيعية التى جعلها النظام الاشتراكى الناصرى إحدى مقوماته وركائزه الأساسية.واتفاقاً مع هذا المفهوم للعدالة وللاستغلال انصرف النظام الاشتراكى الناصرى إلى فرض رقابة الدولة على الملكية الخاصة، وإلى العمل على تخليصها من الاستغلال، وتمثل ذلك فى وضع حد أدنى للأجور، وفى تحديد أثمان السلع والخدمات الأساسية، وإيجارات الأراضى الزراعية والمبانى، كما انصرف أيضاً إلى إخضاع الاستثمارات الخاصة لبعض القيود ولاعتبارات التخطيط، كما حرص على إعادة تنظيم العلاقات القائمة بين العمل ورأس المال بما يضمن للعمل مكانته التى تتفق مع حقيقة دوره فى عملية الإنتاج عن طريق: تحديد ساعات العمل ووضع حد أدنى للأجور، وإشراك العاملين فى الشركات والمؤسسات الخاصة فى مجالس إداراتها، وإشراكهم فى أرباح هذه الشركات والمؤسسات، وعن طريق إعادة توزيع الدخل القومى فى صالح الطبقات ذات الدخول المحدودة بما يرفع مستوى معيشة هذه الطبقات، ومما يحد من التفاوت بين الطبقات، وذلك عن طريق الضرائب التصاعدية والتوسع فى الخدمات العامة المجانية.

4- التخطيط الشامل للاقتصاد القومى: فى إطار الملكية العامة لوسائل الإنتاج ولخضوعها لإشراف سلطة تحالف قوى الشعب العاملة لم يعد الربح هو الهدف الرئيسى للإنتاج، بل أصبح الهدف الرئيسى هو: زيادة الدخل القومى الناتج من العملية الإنتاجية، وإشباع حاجات أفراد المجتمع من السلع والخدمات، وذلك عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانيات المادية والبشرية وزيادة المدخرات لتوفير القدرة على الاستثمار المتزايد. ولتحقيق هذه الأهداف كان لابد من تنظيم الاقتصاد القومى باعتباره وحدة متكاملة، والعمل على تنمية الاقتصاد القومى تنمية متوازنة عن طريق التخطيط الشامل، والالتزام بنظام واضح للأولويات الاجتماعية يمكن بموجبه تفادى الهدر والضياع والتبديد فى الموارد، وتحديد الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف الاجتماعية. فالالتزام بنظام واضح للأولويات الاجتماعية يمكننا تحقيق غرضين فى غاية الأهمية، فهو أولاً يمكننا من أن نجيب بوضوح تام على السؤال: ماذا ننتج ولمن؟ أى أن هذا النظام للأولويات الاجتماعية يمكن من تحديد واضح لنمط استخدام الموارد وأين تتجه. وهو ثانياً: يمكننا من أن نتعرف على التكلفة الاجتماعية التى تترتب على عدم الالتزام بهذا النظام للأولويات، أى ما يتحمله المجتمع ككل من تضحيات نتيجة لعدم الالتزام بهذا النظام للأولويات الاجتماعية. وهذا كله لن يتأتى إلا بالتخطيط الشامل للاقتصاد القومى.والتخطيط الشامل يتطلب أمرين:

الأول، معرفة كاملة بالاقتصاد القومى والقوانين الموضوعية التى تحكم تطوره ونموه.

والثانى، القدرة على النظر للمستقبل، ورسم الطريق على أساس هذه الحقائق.

ويوضح الميثاق فهم عبد الناصر الدقيق لدور التخطيط الشامل فيقول: ” أن التخطيط الاشتراكى الكفء هو الطريقة الوحيدة التى تضمن استخدام جميع الموارد الوطنية المادية والطبيعية والبشرية، بطريقة عملية وعلمية وإنسانية، لكى تحقق الخير لجموع الشعب وتوفر لهم حياة الرفاهة”. كما يوضح عبد الناصر فى الميثاق فهمه للدوافع الرئيسية وراء الأخذ بأسلوب التخطيط القومى الشامل للاقتصاد، وعدم ترك الإنتاج للحرية الفردية والاختيارات الحرة فيقول: ” أن التخطيط الشامل هو عملية اجتماعية وسياسية واقتصادية تتطلب مشاركة أوسع القواعد الجماهيرية فى إعداد تلك الخطط وضمان سلامة التنفيذ”.تلك كانت القواعد والمقومات الأساسية التى استندت عليها الرؤية الناصرية للاشتراكية، والتى حاول عبد الناصر إقامتها فى مصر منذ إصدار قوانين التأميم الشهيرة عام 1961. وإعلان الميثاق فى عام 1962. ولقد كانت هذه المقومات نتاجاً وإفرازاً طبيعياً لظروف ومعطيات الواقع الاجتماعى والاقتصادى والسياسى المصرى فى تلك الفترة، وتعبيراً عن الممارسة العملية التى تولى عبد الناصر إدارتها بنفسه، وهى الممارسة التى شهدت نجاحات وانتكاسات. كانت محصلة لتفاعلات البيئة الداخلية المصرية للتجربة مع البيئة العربية والإقليمية والظروف الدولية المحيطة. ويكفى أن نشير إلى حدث واحد لنعرف مدى تأثير تلك الظروف على الممارسة، فلقد كانت نكسة 1967 على سبيل المثال من أخطر الأحداث التى أثرت على مسيرة التجربة الاشتراكية الناصرية، والتى أدت إلى ظهور العديد من السلبيات فى الممارسة. وحالت – إلى حد كبير – دون تعميق التحول الاشتراكى والوصول بالمجتمع إلى الاشتراكية المقصودة والمرجوة.الناصرية بعد عبد الناصر – نظرة نقدية من داخل التجربة:الآن، وبعد مرور ما يقرب من ثلاثة وثلاثين عاماً على وفاة عبد الناصر ماذا بقى من التجربة، وماذا بقى من الناصرية؟ سؤال تولى الإجابة عليه الكثيرون ما بين المنحاز وبين المتحامل وضاعت الحقائق بين الطرفين، وساعد على هذا الضياع ما حدث من تراجع عن هذه التجربة وايديولوجيتها بعد وفاة جمال عبد الناصر لتبدأ مراحل أخرى حرصت على أن تؤكد انتمائها لتيار ثورة 23 يوليو 1952.

ويستحسن أن نشير فى عجالة لبعض أوجه هذه التقييمات الناصرية للتجربة الناصرية التى قادها عبد الناصر، ويمكن تقسيم هذه التقييمات إلى مستويين، يتعلق المستوى الأول بمراجعة وتقييم الممارسة، ويتعلق الثانى بتقييم الصياغة النظرية، التزاماً بالمنهج الجدلى التاريخى الذى سبقت الإشارة إليه فى هذه الدراسة.1- تقييم الممارسة الناصرية: دون الدخول فى تفصيلات حول ما حدث أيام عبد الناصر، وكيف كانت تسير الأمور يمكن القول أن النظام الناصرى يعتبر مسئولاً إلى حد كبير عما حدث بعد وفاة عبد الناصر، لأن القوى المناوئة للتجربة والتى حرص عبد الناصر على تسميتها بـ “قوى الثورة المضادة” لتمييزها عن “قوى الثورة” المؤيدة لها وعوامل نشأتها تواجدت داخل هذا النظام وعملت من داخله بدليل أنها استطاعت فى فترة وجيزة أن تغير وجه الأحداث إلى النقيض تماماً، وبإيجاز يمكن إجمال بعض الأشياء التى تعد مسئولة عن سلبيات التجربة وعن تكوين مواقع نشأة وتطور القوى المعادية للثورة فيما يلى:– الاعتماد على جهاز الدولة البيروقراطى فى إدارة كافة شئون التجربة دون الاهتمام بتسييس الجماهير والسماح لها بالمشاركة فى إنجاز التحول الاشتركى. فقد تولت البيروقراطية تحقيق الاشتراكية ولم تخض الجماهير بنفسها معارك التحول الاشتراكى، لذلك كان من السهل أن تسقط التجربة بمجرد إنحراف الإدارة البيروقراطية وجهاز الدولة، دون صراع من جانب الجماهير على مكتسباتها؛ لأن هذه المكتسبات قد تمت فى غيبة عن مشاركتها الفعلية. وقد كانت القيادة تكتفى فى علاقتها بالجماهير بما يسمى “بالتعبئة الجماهيرية” التى تعنى دفع الجماهير إلى تأييد السياسات التى تتخذها القيادة باسمها ولمصالحها. فقد عهد عبد الناصر إلى جهاز الدولة لتحقيق التوازن الطبقى من خلال السيطرة على الصراع الطبقى، لكن جهاز الدولة كان هو بذاته جهاز الدولة القديم إلى جانب بعض العسكريين الذين تولوا مناصب مدنية، ولم تكن كل عناصره مشبعة بالثورة الضرورية، بل وأكثر من ذلك كان يضم أعداداً من الرجعيين واليمينيين، ومن هنا حاولوا إفراغ بعض القوانين الثورية من مضامينها عن طريق تشويه عمليات التنفيذ. وهذا يعنى أن الثورة قد عهدت بعناصر غير اشتراكية بل ورجعية ومعادية للثورة كى يتحقق التحول الاشتراكى، ومن ثم فقد نبتت عناصر الثورة المضادة وترعرعت داخل جهاز الدولة نفسه.– عجز التنظيم السياسى – الاتحاد الاشتراكى – عن أن يقدم للجماهير الإطار الذى تستطيع من خلاله أن تعبر عن آرائها، وأن تتمكن من المشاركة الفعلية فى التجربة والقيام بدورها الأساسى فى إقامة النظام الاشتراكى ويرجع عجز الاتحاد الاشتراكى وما سبقه من تنظيمات سياسية أخرى إلى تغليب القيادة الاعتماد على جهاز الدولة دون التنظيم السياسى ومشاركة الجماهير. والاعتماد على جهاز الدولة لهذه الدرجة يرجع تاريخه إلى تاريخ وظروف نشأة تنظيم الضباط الأحرار داخل الجيش من ناحية، وموقف الأحزاب والقوى السياسية المصرية من الثورة ورجالها منذ قيامها فى 23 يوليو 1952. فعندما أراد الضباط الأحرار القيام بحركتهم وتنفيذها حرصوا على استغلال وضعهم كضباط بالجيش وعلى الاستفادة من قنوات العمل العسكرى الموجودة فى الجيش، ولم تكن أمامهم فرصة أو إمكانية القيام بحركتهم كحزب سياسى، لأن الحزب يحرك جماهيره بالشعارات السياسية وبالأهداف المعلنة .

 

كاتب المقال

د. محمد السعيد إدريس


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات