المطلوب والممنوع فى السياسة الأمريكية

كتابات | 285 | 10:55 ص

المطلوب والممنوع فى السياسة الأمريكية

بغداد تايمز

القاعدة الأساسية فى العلاقات الدولية ، سواء كانت العلاقات بين الدول، أو العلاقات بين الدول والمنظمات الدولية والإقليمية هى التفاعل المتبادل والتأثير المتبادل، بمعنى أن مسار العلاقات يسير فى اتجاهين بين تلك الأطراف وليس فى اتجاه واحد، أى لا يمتلك طرف احتكار التأثير فى الطرف الآخر الذى يتفاعل معه دون أن يعطى اعتباراً لحق الطرف الآخر المتفاعل فى التأثير هو الآخر عليه. التفاعل والتأثير الاحتكارى فى العلاقات بين الدول كان شائعاً فى ظل سيطرة نظام المستعمرات، حيث كانت الدولة المستعمرة (بكسر الميم) هى من يملك ويحتكر التأثير فى مستعمراتها، ولم يكن مرجحاً فى ظل هذا النوع من العلاقات القائمة على السيطرة والهيمنة ونهب الموارد، أن يكون للمستعمرات إرادة تأثير متبادل مع الدول المستعمرة (بكسر الميم). انتهى هذا النوع من التفاعلات والتأثيرات الاحتكارية لطرف على الآخر باندحار نظام الاستعمار لكن الولايات المتحدة الأمريكية، التى تفردت بالخروج من الحرب العالمية الثانية قوية أكثر من غيرها من دول الحلفاء المنتصرين لأسباب كثيرة من أبرزها بعدها الجغرافى الشاسع عن القارة الأوروبية التى كانت المسرح الأساسى لتلك الحرب، استطاعت أن تبتدع لنفسها نظاماً استعمارياً بديلاً، أعطته الدول التى تزعمت معسكر دول عدم الانحياز فى سنوات الحرب الباردة التى أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية اسم “الاستعمار الجديد”، أهم معالمه فرض السيطرة الأمريكية على الإرادة السياسية لكثير من الدول عبر أدوات جديدة مبتكرة من أبرزها المساعدات الاقتصادية والمالية والعسكرية دون حاجة احتلال أوطان الغير الذى لم يعد مقبولاً ولا ممكناً.

فقد استطاعت الولايات المتحدة أن تجعل من مساعداتها الاقتصادية والمالية والعسكرية سلاحاً بتاراً فى فرض هيمنتها وسيطرتها على كثير من دول العالم ومنها دول غرب أوروبا التى دخلت فى نظام الحماية العسكرية والأمنية الأمريكية الذى سخرته الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو المعادى، كما ابتدعت الولايات المتحدة “مشروع مارشال الاقتصادى” لإعادة تعمير وبناء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وجعلت من حلف شمال الأطلسى (الناتو) أداة لفرض الهيمنة والسيطرة الأمريكية على دول أوروبا الغربية (سابقاً) بقدر ما كان أداة أمريكية فعالة لاحتواء الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو المعادى.

سياسة الهيمنة الأمريكية هذه امتدت أيضاً إلى كثير من دول العالم الثالث فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية التى تحولت إلى مسرح للتنازع وسباق فرض النفوذ مع الاتحاد السوفيتى فى سنوات الحرب الباردة ولكن بمسميات جديدة من نوع: التحالف أو الشراكة والصداقة، حيث وفرت واشنطن لهذه الدول الحماية الأمنية والعسكرية للنظم الحاكمة الموالية أولاً ضد أى مصادر للتهديد الداخلى من قوى شعبية معارضة وكذلك لأمن هذه الدول من أى اعتداء من دول مجاورة، كما وفرت المساعدات الاقتصادية والمالية كأداة فاعلة للسيطرة والهيمنة، وبذلك استطاعت أن تجعل علاقاتها التفاعلية مع تلك الدول الصديقة أو الحليفة أو الشريكة علاقة ذات مسار تفاعلى أحادى الاتجاه من واشنطن على تلك الدول التى لم يكن أمامها من خيار غير الانصياع والرضوخ.

هذا النوع واجه معارضات وتمردات قوية حتى من داخل الحلفاء الأوروبيين بدأها الجنرال ديجول الذى قرر أن تمتلك بلاده قدراتها العسكرية النووية المستقلة، كما عارضته الكثير من الدول التى انخرطت فى معسكر “عدم الانحياز” ودفعت بسببه أثماناً غالية من التعرض لاعتداءات عسكرية مباشرة أو محاولات انقلابية ممولة أمريكياً أو حصار اقتصادى وتوظيف شديد القسوة لسلاح المساعدات الاقتصادية والغذائية على وجه الخصوص على نحو ما حدث مع مصر التى قادت التمرد العالمى على الاستعمار الأمريكى الجديد .

الآن وعلى الرغم من الانكسار والأفول الذى تتعرض له الولايات المتحدة الأمريكية والهزائم العسكرية التى تعرضت لها واضطرارها إلى سحب قواتها من مواقع شهدت تورطاً عسكرياً أمريكياً على نحو ما حدث مع العراق ويحدث الآن مع أفغانستان، وعلى الرغم من تعرض الزعامة العالمية الأمريكية المطلقة لمنافسة حادة من الصين وروسيا والسعى الجاد من هاتين القوتين العالميتين لتأسيس نظام عالمى متعدد الأقطاب وإنهاء نظام القطبية الأحادية الذى تجاهد واشنطن لفرضه على العالم منذ انهيار حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفيتى، فإن الولايات المتحدة مازالت تأبى تغيير أو حتى تعديل، سياسة إملاء وفرض الشروط على حلفائها أو شركائها أو أصدقائها، ربما باستثناء واحد هو العلاقة الأمريكية الفريدة مع كيان الاحتلال الإسرائيلى الذى يكاد يخطط ويدير أجندة السياسة الخارجية الأمريكية فى إقليم الشرق الأوسط وفى القلب منه وطننا العربى ، الأمر الذى يفاقم من اندفاع واشنطن لإملاء الشروط ورسم السياسات لدول عربية شريكة أو حليفة لها، انطلاقاً من خلفية المصالح الإسرائيلية وليس فقط المصالح الأمريكية.

مراجعة العلاقات الأمريكية – العربية خلال العقود الثلاثة الماضية التى مرت على انهيار الاتحاد السوفيتى عام 1991 تؤكد أن واشنطن لم تكتف فقط بإعطاء التعليمات والتوجيهات فى علاقاتها مع الدول العربية الصديقة بل تجاوزت ذلك إلى فرض ما تريده إسرائيل، بالاندفاع نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتجاهل الحقوق الفلسطينية المشروعة، والدخول فى عداوات ليس فقط مع دول إقليمية معادية لإسرائيل مثل إيران ، بل وأيضاً ضد دول عربية أبت أن تخضع للشروط والإملاءات الأمريكية – الإسرائيلية، ولنا فى المواقف العربية من الغزو والاحتلال الأمريكى للعراق عام 2003 ، ثم إسقاط حكم العقيد القذافى فى ليبيا عام 2011 ، والسعى لإسقاط الحكم فى سوريا ابتداء من عام 2011 وحتى الآن، ناهيك عن ما يحدث فى اليمن وما يحدث مع السودان، وما يحدث مع إثيوبيا ضد مصر، وما يحدث مع محاولات احتواء مع الجزائر.

طيلة تلك العقود الثلاثة الماضية احتكرت واشنطن لنفسها حق أن تحدد لحلفائها العرب ما هو مطلوب أداؤه وما هو ممنوع عليهم القيام به من سياسات ، لكن ما حدث منذ أيام قليلة وعلى لسان تونى بلينكن وزير الخارجية الأمريكى أمام المؤتمر الوزارى الموسع فى روما (الاثنين 28/6/2021) الخاص بسوريا فاق كل الحدود، فالوزير الأمريكى لم يكتف بدعوة الدول العربية إلى مزيد من تطبيع العلاقات مع إسرائيل استجابة لمطالب وزير الخارجية الإسرائيلى الجديد مائير لابيد الذى التقاه فى روما بل قرر إحباط مسعى عربى يهدف إلى تطبيع العلاقات العربية مع سوريا وعودتها إلى جامعة الدول العربية ، ما يعنى أن الولايات المتحدة ترى أن قرار تطبيع العلاقات العربية مع سوريا قرار أمريكى، أو بالأحرى إسرائيلى، قبل أن يكون قراراً عربياً، لأنه جزء من معركة واشنطن مع موسكو فى سوريا وجزء من تأزم مفاوضات جنيف حول الاتفاق النووى الإيرانى، وفضلاً عن ذلك ارتباطه بمستقبل الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق والآفاق المستقبلية للصراع الإسرائيلى – الإيرانى.

هكذا قررت واشنطن، وهكذا كانت تقرر دائماً لمصالح أمريكية – إسرائيلية ، دون أدنى اعتبار لما يمكن أن يكون مصالح عربية أو انعكاس لإرادة عربية لأن ذلك كله هو المعنى الحقيقى لما يسمى بـ “تحالف” أو “شراكة” أو “صداقة” عربية – أمريكية .

 

كاتب المقال

د. محمد السعيد إدريس

 


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات