في ربوع بغداد الساحرة والمظلومة

كتابات | 363 | 10:14 م

في ربوع بغداد الساحرة والمظلومة

بغداد تايمز

كلُّ مَن أخبرتُهم عن رغبتي بزيارة العراق، كانوا في بيروت يردّدون العبارة نفسها:” انتبه، الوضع هناك خطير، لا تتنقل كثيراً، لا تخرج من الفندق الاّ للضرورة… لا تُخبر أحدا أنك هناك حتى تعود”. فهم كغيرهم من معظم الشعوب العربية الخاضعة لدكتاتورية فضائيات وإعلام المحاور المتقاتلة والمتذابحة، لا يعرفون عن بغداد الاّ ما كان يبثه هذا الإعلام من أخبار التفجيرات والقتل والإرهاب والدماء السائلة بفعل المغول الجدد حاملي الاسماء الكثيرة، والهدف الوحيد: قتل عروس دجلة والفرات، التي قُتلت مرّات كثيرة، لكنها قامت دائما من تحت الرماد أجمل وأبهى. استمرت الدعايات الإعلامية ضد بغداد، حتى لمّا توقّف كل الإرهاب، فما فعلته داعش، أكمله بعضُ الإعلام، فظُلمتُ بغداد ثلاث مرّات، الأولى حين ضربها الإرهاب فعلا وأنهكها الفساد وتطاحن المذاهب والأعراق بعد الحرب الأميركية-البريطانية، وحين تصارع الخارج على أرضها، وحين شوّه الإعلام المُغرض صورتها.

 

وصلتُ الى مطار بغداد بعيد الظهر. وجدتُه ما زال تقريبا على حاله منذ أيام النظام السابق: بسيط ومتواضع (قياسا الى مطارات عربية أخرى) لكنه نظيف. لم يتغير فيه شيء، سوى أسارير الناس ورجال الجمارك، فهي صارت أكثر بشاشة رغم أن العراقي بشكل عام لا يميل الى الابتسام والضحك. تولّى الزميل أمين تسرّيع وتيرة الحصول على سمة الدخول (الفيزا) وختم الجوازات والعبور صوب السيارة التي كانت بانتظارنا خارج المطار.

 

 

 

ثمة عواصم تخاطبُ خلايا الروح منذ اللحظات الأولى للقاء بها، تُدغدغُ القلبَ، كأنها عشيقة دائمة ازدادت بهاء عبر العصور. لا كلمات تُفسِّر هذا الشعور، لا وصف يُمكن أن يليق بهذا البهاء. لعلّنا في عميق جيناتنا البشرية، ورثنا جيلا بعد جيل، عشق بغداد حتى قبل أن نعرفها، أو لعلّ ما تختزنه من اقدم الحضارات الإنسانية بكل تنويعاتها وتفرّعاتها وثقافتها وعراقتها، يجعل لها في قلب كل إنسان عبر هذا العالم، وليس فقط كل عربي، مكان الحب الصافي.

 

 

 

كيف لا اراها هكذا، وأنا الذي ترعرعتُ على حبّ عواصم التاريخ العربية، وقرأتُ كلّ الشعر الذي تغزّل بها وأنا في مقتبل العمر، وأكلتُ من بلحها ورطبها وتمرها حين كانت الحربُ الأهلية اللبنانيةُ وحروب الآخرين على ارضنا (والمستمرة حتى اليوم يا للأسف) تمنعنا من الحصول على كل ما نشاء من قوتِ يومنا. كيف لا أراها بهية وأنا الذي كنتُ هنا حين كانت تحترق عام 2003، أو كنتُ في بلدي أتألم لجرحها بأنياب الذئاب الكثيرة، واكتبُ عنها بنجيع القلب في مهنتي.

 

وصلتُ هذه المرة الى بغداد، ولُبنان في حال الانهيار الكامل. تشابهت بيروت وبغداد كثيرا في أسباب الانهيار، فهما عروسان أثارتا الكثير من الحسد عبر التاريخ، وغالبا ما يقتلُ الحاسدُ سيدة جميلة حين يعجزُ عن نيلِ قلبها. هما أميرتان قتلهما تناحر وفساد أهلهما، وهما مسرحان لتصفية حسابات إقليمية ودولية كثيرة، وهما نخلةٌ وأرزةٌ ضاربتا الجذور في العراقة والتاريخ، لكن الجغرافيا لم تسمح لهما بالحفاظ على دفء قلبيهما وسحرِ حاضرهما وغزير ثرواتهما.

أخرجتُ هاتفي من حقيبتي الصغيرة بلا كثير من التفكير، وجهتُ كاميرته الى كل ما يرافقنا في طريقنا من المطار الى الفندق. أردتُ أن التقط كل تفصيل في وجه بغداد، كأنني أتأمل وجه حبيبة بعد غياب. صوّرتُ شجر النخيل، ويافطات الإعلانات والبيوت المتواضعة أو المجمّعات التجارية التي بدأت تنتشرُ في العاصمة وضواحيها موحية بالميل العمراني صوب هذا النوع من المباني التي لا أدري إن كانت ستُجمّل أو تشوّه وجه التاريخ البغدادي.انتبهتُ الى أن صور قائد فيلق القدس اللواء قاسم سليمان، والقيادي في الحشد الشعب أبي مهدي المُهندس تعتلي عددا لا بأس به من عواميد الكهرباء والانارة على طول الطريق. فالرجُلان اللذان اغتيلا بغارة أميركية، يُذكّران عبر صورهما ومنذ اللحظة الأولى لعبور المطار، بأن صراع المحاور في هذه البلاد العريقة كان وما يزالُ يحرّك الكثير من السياسة والامن والاقتصاد هنا.

 

تتشابه بيروت وبغداد في هذا أيضا، فبين بيروت ومطارها، توجد أيضا صورٌ لمسؤولين إيرانيين وقادة وشهداء، تؤكد أن صراع المحاور ممتدٌ على طول مساحة الوطن العربي من بيروت لبغداد.

 

قيل لي في بيروت:” انتبه فالحياة في بغداد خطيرة”، ابتسمتُ وأنا التقط الصور الأولى ونحن نعبر من مطار العاصمة العراقية الى الفندق، وجدتُ الشوارع تعجّ بالسيارات، والمحال التجارية تضج بالزبائن، وأنوار المدينة مضاءة منذ الساعات الأولى للمساء. كيف لا أبتسم كالجريح مذبوحا من الألم وأنا قادمٌ الى عاصمة تقوم من تحت الرماد، وتُبلسمُ جراحها، وتضيء شوارعها، بينما عاصمة بلادي تنوء تحت العتمة، ويقف ناسها في طوابير الذل، وتبحث عن بصيص أمل طال حضوره.

 

 

 

تذكّرت أبياتنا للشاعر السوري الكبير الذي توزّع قلبُه بين دمشق وبغداد وبيروت نزار قبّاني يقول مخاطبا عاصمة الحكمة وعروس دجلة وسيدة التاريخ البشري :

 

عيناكِ، يا بغـدادُ ، منـذُ طفولَتي

 

شَـمسانِ نائمَـتانِ في أهـدابي

 

لا تُنكري وجـهي ، فأنتَ حَبيبَتي

 

وورودُ مائدَتي وكـأسُ شـرابي

 

بغدادُ.. جئتُـكِ كالسّـفينةِ مُتعَـباً

 

أخـفي جِراحاتي وراءَ ثيـابي

 

ورميتُ رأسي فوقَ صدرِ أميرَتي

 

وتلاقـتِ الشّـفَتانُ بعدَ غـيابِ

 

أنا ذلكَ البَحّـارُ يُنفـِقُ عمـرَهُ

 

في البحثِ عن حبٍّ وعن أحبابِ

 

سأخبركم في مقالات لاحقة عن الأصدقاء الأحباب وعن الزملاء النبلاء المحبيّن الصادقين الذين التقيتهم في رحلتي هذه وآخيتهم، وسأخبركم عن سحر بغداد نهارا وليلا وعن طيبة وأصالة وشهامة وكرم أهلها، وعمّا يقوله ساستها ورجال الدين فيها، وعن الآمال الموعودة والعتيدة بعد ان نَجَحَت بالانتقال من ساحة حروب المحاور الى نقطة تلاقي وتصالح وحوار لدول المنطقة…فعروس الحضارات والتاريخ، تنفضُ يوما بعد يوم، الغبار عن فستان نخيلها، وتضع قدميها مجددا في مياه دجلة تغسل عنهما جراح السنوات العجاف وتحلم بغد أجمل.

 

 

 


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات