العودة السورية ومعضلات التغيير

كتابات | 342 | 9:53 م

العودة السورية ومعضلات التغيير

بغداد تايمز

إذا كان الاتجاه العام فى المنطقة، وأعنى هنا بالمنطقة عالمنا العربى ومعه الدول الفاعلة فى إقليم الشرق الأوسط وبالتحديد: إيران وتركيا وإسرائيل هو الميل نحو الأخذ بسياسة “تبريد الأزمات” طموحاً نحو حلها، ومن بينها الأزمة السورية، فإن السؤال المهم بهذا الخصوص هو: هل يكفى هذا الميل لحل هذه الأزمة، أم أن الأزمة السورية مفعمة بتعقيدات هائلة دون توصل الأطراف الأساسية فى سوريا سواء كانت عربية أو إقليمية أو دولية إلى حل لهذه الأزمة، ومن ثم يستلزم الأمر التوصل إلى ما هو أهم من وجود ميل، أو حتى مصالح لدى تلك الأطراف ، لتبريد الأزمة؟

الإجابة حتماً هى نعم، وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية وهو: هل إعادة دمج سوريا فى المنظومة العربية واستعادة مقعدها الذى جرى تجميده منذ عام 2011 يمكن أن يؤثر إيجابياً فى التوصل إلى حلحلة تلك الحلول ومعالجة الأزمات المعقدة والصراعات المتشابكة بين تلك الأطراف فى سوريا؟

طرح هذا السؤال ليس اعتباطياً لكنه تعبير عن قناعة لدى أطراف معنية بالأزمة مفادها أن تجميد عضوية سوريا فى جامعة الدول العربية فاقم من أزمتها، ولم يكن أبداً وسيلة للحل، تماماً كما حدث مع العراق، فالخروج أو العزوف العربى عن الوجود وممارسة الدور العربى المطلوب فى العراق كان سبباً أساسياً فى أن دخل العراق فى أتون الصراع والنفوذ الأمريكى- الإيرانى على أرض العراق. لكن رغم جدية هذه القناعة توجد قناعة أخرى أكثر مرارة تقول أن القرار العربى بتجميد عضوية سوريا فى جامعة الدول العربية وعزلها، لم يكن أبداً محض قرار عربى، ولكنه كان استجابة للإملاءات والتوجهات الأمريكية، ما يعنى أن قرار تجميد عضوية سوريا فى الجامعة العربية لم يكن قراراً عربياً بقدر ما كان قراراً أمريكياً وربما إسرائيلياً، ومن ثم فإن قرار إعادة سوريا إلى الجامعة العربية وتوظيف هذه العودة لتيسير التوصل إلى حل للأزمة السورية لن يكون عربياً، وأنه سيبقى ، بدرجة كبيرة ، أمريكياً، وأيضاً إسرائيلياً، على الرغم من كل التبريرات التى تقدمها دول عربية رافضة للعودة السورية إلى جامعة الدول العربية على غرار القول بأن “أسباب تعليق عضوية سوريا لا تزال قائمة طالما لم يحدث تقدم ملموس على المسار السياسى”.

هذه الدول كانت تطالب بـ”إسقاط النظام فى سوريا” شرطاً للحل، أى شرطاً لتوقفها عن تقديم كل أشكال الدعم للمعارضة سواء كانت مدنية أو منظمات وجماعات إرهابية . كما أن بعض هذه الدول مازال يردد أن “التوافق العربى الكامل حيال مسألة العودة السورية لا يزال غير متوفر”، وهنا يطرح التوافق بمعنى “الإجماع” أى أن عودة سوريا تستلزم إجماعاً داخل الجامعة العربية، رغم أن تجميد العضوية السورية لم يصدر بالإجماع. كل هذه المبررات ليست إلا مجرد غطاء للسبب الحقيقى وهو أن إرادة القوى الدولية وخاصة أمريكا وفرنسا وبريطانيا والقوى الإقليمية: إسرائيل وتركيا مازالت رافضة لحل الأزمة السورية ومازالت رافضة أيضاً لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية.

أن أول ملف يمكن أن يفتح مباشرة عقب هذه العودة هو ملف المطالبة بخروج كل القوات الأجنبية من سوريا، ودعم وحدة الأراضى السورية، أى إسقاط مشروع تقسيم سوريا، وهذه كلها مسائل مازالت معلقة دون إيجاد حل للمعضلة الأساسية الخاصة بالأزمة السورية التى باتت روسيا تعمل جاهدة لإيجاد حلول لها، وهى معضلة الصراع الإسرائيلى- الإيرانى فى سوريا، فالدعم الأمريكى – الأوروبى للمطالب الأمنية الإسرائيلية فى سوريا هدفه الأساسى إجبار الحكومة السورية على قبول ما لم تقبل به طيلة السنوات العشر التى سبقت تفجر الأزمة السورية، وهو، بالتحديد، تفكيك التحالف السورى مع إيران، على أساس أن هذا التحالف هو الذى يؤمن كل الدعم وأسباب البقاء لحزب الله فى لبنان، الذى تعتبره “إسرائيل” التهديد الأخطر لمشروعها فى فلسطين المحتلة.

أن إنهاء هذا التحالف السورى – الإيرانى من شأنه أن ينهى أى وجود فعلى لحزب الله. فعقب غزو الأمريكيين للعراق وتدميره عام 2003، جاء الدور على سوريا، وكان الهدف هو القضاء نهائياً على الدور السورى فى معادلة الصراع العربى – الإسرائيلى وهو نفس الهدف الذى برر الغزو الأمريكى للعراق وكانت البداية عندما طالب الأمريكيون، عبر وساطات عربية الرئيس الأسد بإنهاء تحالفه مع إيران ، لكن عدم ثقة الرئيس السورى بالعروض التى قدمت له وتشككه فى كل المبررات التى قدمت له لإنهاء العلاقة مع إيران جعلته يرفض تلك العروض الأمريكية،

ومن ثم جاء التوجه الأمريكى نحو إسقاط حزب الله عسكرياً عبر العدوان الذى شنته إسرائيل على لبنان فى صيف 2006 بدعم وبقرار أمريكى، وبعد فشل العدوان فى إنهاء وجود حزب الله تجددت المحاولة بإغراءات أمريكية أخرى لم تكتمل، وعندما جاءت أحداث انتفاضة السوريين من أجل المطالبة بمشروع وطنى للإصلاح أسوة بما كان يحدث من أحداث فى مصر وتونس عام 2011 جرى الانحراف بهذه الانتفاضة بتدخل عربى وإقليمى ودولى جعل هدف إسقاط النظام السورى هو الأصل فى الأزمة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه طيلة عقد كامل تقريباً.

الآن، وبعد تمكن النظام فى سوريا فى استرداد بما لا يقل عن 90% من الأراضى السورية وفق تصريحات أخيرة للرئيس الروسى فلاديمير بوتين عند لقائه الأخير فى موسكو مع الرئيس السورى (الاثنين 13/9/2021)، أصبح الأمريكيون والأوروبيون أكثر استعداداً للنزول بمنحنى مطالبهم لحل الأزمة فبدلاً من اشتراط إسقاط النظام وتغييره تم الاكتفاء بالدعوة إلى “تغيير سلوك النظام” بما يشمل وقفاً شاملاً للنار فى سوريا، وإطلاق معتقلين سوريين، وإعادة كريمة للاجئين والنازحين، والتعامل بإيجابية مع الإصلاح السياسى والدستورى، فى حين تطالب روسيا الولايات المتحدة وأوروبا بالبدء بالمساهمة فى إعمار سوريا، والتحدث إلى الرئيس الأسد بإعتباره “رئيساً وأمراً واقعاً ثم يمكن التحرك السياسى”، وفق ما جاء على لسان وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف.

روسيا التى أدركت حقيقة ودوافع التحول فى الموقفين الأمريكى والأوروبى فى سوريا تعرف أيضاً مكامن الخطر فى الأزمة السورية وبالتحديد الرفض الإسرائيلى لأى وجود إيرانى فى سوريا، والإصرار الإيرانى على البقاء وتوسيع النفوذ فى سوريا باعتبار أن ذلك هو الطريق المأمون للحفاظ على محور المقاومة وبالتحديد حزب الله وعلى مواجهة المشروع الإسرائيلى فى فلسطين، لذلك فإن روسيا تسعى إلى تأمين إسرائيل والاعتراف بمصالحها الأمنية فى سوريا، وبالتحديد تحجيم الخطر الإيرانى على الأمن الإسرائيلى فى سوريا مقابل موافقة إسرائيل على استمرار النظام السورى وإعادة تطبيع علاقاته العربية والإقليمية والدولية ، وفى ذات الوقت تسعى روسيا للمحافظة على علاقاتها ومصالحها مع إيران داخل سوريا وخارجها وفى الكثير من الملفات.

هل ستنجح روسيا فى معضلة حل الصراع الإسرائيلى – الإيرانى فى سوريا؟ وهل سيقبل الأمريكيون بإطلاق يد روسيا كاملة فى سوريا على حسابهم؟

أسئلة مهمة إجاباتها تعيدنا مجدداً إلى جدية الميل الأمريكى للأخذ بسياسة “تبريد الأزمات” من عدمه لأهداف ومصالح أمريكية .

الكاتب الدكتور

محمد السعيد ادريس


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات