شعب الملاحم والبطولات

كتابات | 210 | 10:14 م

شعب الملاحم والبطولات

بغداد تايمز

نزل الامتحان من رب السماوات والأرض (بماء منهمر)، وهبَّت الريح لتبيِّن إيمان هذا الشعب (بريح عاصف)، وانقطعت السُّبل ولم يبق سوى سبيل الجبار العليم، وتقلبت القلوب فكان أبناء عُمان على قلب مؤمن صادق واحد يسمعون انهمار المطر وعصف الرياح واشتداد الامتحان فيحمدون الله، ويتوجهون له بالشكر والعرفان، ويبتهلون له بأحلى آيات الابتهال ويسمون ما يمر بهم (امتحان)، وسينجح الجمع فيه لأنهم يعلمون أن شعبا مثل شعب عُمان تربَّى على حب الله ورسوله، واتبع بإمعان تعاليم السماء، ويعلمون أن كل ما يأتي من السماء هو خير، وأنهم وسط خير، ولن يجزع أحدهم ولن تخيفه “وساوس الشيطان”.

وانكشف الصباح ليكون بشرى خير على المؤمنين الآمنين الموحدين المتوحدين الراضين بحكم وقضاء الله… شعب مؤمن وحكومة رشيدة وقفوا جميعا وقفة رجل واحد مُتَحدِّين الصعاب، رافعين الهِمم، ومتوكِّلين على الله العزيز الجبار وهم يرددون (الحمد لله) عند كل سؤال، لم يجزعوا، لن ينهاروا، لن يخذلوا إيمانهم بل كانوا جبالا شاهقة عتيدة قوية راضية بحكم الجبار العزيز… الحمد لله، الذي وضع الرضا في قلوب آمنت بربها فتجاوزت امتحانا صعبا على النفس برضا واتكال على الله، ثم بتدابير قلما وضعها من تنبأ بوقوع الكوارث الطبيعية في بلادهم، لقد تنبأ المتنبئون فتجاوزت تنبؤاتهم، ولكن تجاوزت سلطنة عمان أصعب يوم في امتحان عسير صعب المراس.

وبعد انجلاء “شاهين” هبَّت السلطنة بكافة مدنها وقراها وشعبها مناصرة المناطق التي أثر بها الإعصار، وتدفقت من أيدٍ كريمة كل أنواع المؤمن، وسارت القوافل محملة من خير عُمان إلى أهلها الذين كانوا تحت وطأة الإعصار، وتجمع الشباب بأحلى ملحمة وطنية، منهم من رفع علم السلطنة، وآخرون أزالوا التراب والطين عن الشوارع والطرقات، ومجموعة تشرف على توزيع المؤن، وتوزعت المجاميع المتطوعة إلى الطريق الصحيح لتعود الحياة.

كارثة طبيعية لا أحد يتوقع وقوعها إلا بعد أن تقع، ولا أحد يتوقع قوتها إلا بعد أن تصبح في محيط تلك الأرض، ومع هذا خرجت السلطنة بأقل الخسائر بحمد الله ومنَّته وتلاحم الشعب، في ملحمة بطولية قلَّما سمعنا عنها، فتجمع أبناء الجنوب في الشمال وأبناء الشرق والغرب نحو الشمال معلنين تطوعهم واستعدادهم للفداء، ومعلنين أنهم أبناء بلد واحد وقد التحم الجميع في ملحمة بطولية اسمها عُمان.

لن يخذل الله شعبا مؤمنا بقضاء الله وقدره، ولن يكون شعب عُمان إلا كرجل واحد، وهذا ديدنهم؛ فإنهم في الشدَّة متوحدون، وفي الرخاء متنعمون بتوحدهم ولن “تثلم” وحدتهم أي طارئة، ولن يكونوا إلا كما كانوا؛ رجالا أشداء عاهدوا الله على بناء وطنهم بعيدا عن كل ما تمرُّ به بلدان شقيقة وصديقة من تناحر وتقاسم واقتتال؛ فإنهم مدرسة “السلطان قابوس” وقد أرسى أُسسها على حب الوطن ووحدته وتقاسم خيراته بشكل عادل، والوقوف كرجل واحد في الشدائد… ومن لم يتقرب من خريجي تلك المدرسة لن يدرك أثرها، ولن يعلم من تخرج منها، ولن يتصور كيف بنى السلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ أُسسها فرفع بنيانها… نعم شعب تعلم الإسلام فأتقنه، وشعب تعلم حب وطنه فأجاد العمل له… هذا هو شعب عُمان يجمعهم منهج واحد وتحركهم “غيرتهم” على وطنهم، والحفاظ على مكتسباتهم، هي هدفهم، فلن تثنيهم بإذن الله أي كارثة أو تهددهم أية مصيبة، شعب توكَّل على الله فبنى ومضى ولن يرجع، بل هو في مسيرة دائمة نحو المجد والتقدم.

لقد كان يوم “شاهين” يوم ترقب، ويوم كنا جميعا خائفين على إخوة لنا هم ضمن دائرة الإعصار، فما كان لنا إلا أن نكثر عليهم بالاتصال ونسألهم عبر وسائل التواصل المتاحة عن أحوالهم، فكان الجميع باطمئنان لقدر الله، كنت دائم الاتصال بالأخ العزيز الكاتب العماني (خميس القطيطي) الذي كان يمر محور الإعصار في مدينته، كنا قلقين عليه، كما كنا قلقين على جميع المناطق التي كانت محورا لتحرك الإعصار فكانت إجابته عند كل مرة (الحمد لله)، كنا نلمس شدة الإعصار ونجزع من قوته فنشد على أنفسنا لندعو لإخوتنا، فكان حالهم مع الله أحسن حالا منا ولكننا كنا بقلق شديد.

ملحمة أدَّت إلى لحمة وطنية كانت تزداد كل لحظة بخطوط متوازية لنصرة بعضهم البعض… هكذا هو شعب عُمان، شعب يجيد مواجهة الصعاب ولا ينحني أمام عصف الرياح، وتقف معه حكومة رشيدة وطنية همُّها المواطن وبناء الوطن.

الكاتب الدكتور

محمد المعموري


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات