السفير معصوم مرزوق يكتب بعد قرار المجلس

كتابات | 195 | 8:11 م

السفير معصوم مرزوق يكتب بعد قرار المجلس

بغداد تايمز

في مساء يوم ٢٢ أكتوبر ١٩٧٣ ، كنت علي رأس وحدة الصاعقة قد رجعنا من إغارة في الشلوفة علي تجمع لدبابات العدو في الثغرة ، وتم تكليفي مباشرة بنصب كمين عند تقاطع المدق ١٢ مع المدق المؤدي إلي قيادة الجيش الثالث ، التقيت قائد كتيبة إشارة الجيش الذي همس لي بفرحة مكتومة ان مجلس الأمن اصدر قرارا بوقف إطلاق النار ، وأن الحرب انتهت .

اقترب رقيب الفصيلة رضوان من حفرتي ، يسألني عن حقيقة ما تردد في المذياع عن قرار وقف النار .

 

‏كان صوت طلقات النصف بوصة من دبابات العدو التي تمرح في الظلام لا تزال تسمع ، قلت لرضوان أن يعود لموقعه وألا يتم تخفيف إجراءات الطوارئ.

 

لا زلت أتذكر فرحة عينيه بانتهاء الحرب ، وغضبه من ردي الجاف.

 

في ظهر اليوم التالي كنا نخوض أكبر وأهم معركة مع وحدتي وهي المعركة التي استشهد فيها رضوان.

 

‏لقد ظللنا نقاتل ، حتي بعد ترك موقع الكمين علي طريق مصر السويس وعلي حدود السويس وطريق الأدبية ، واستشهد عدد كبير، وكانت ليلة ٢٣/ ٢٤ أكتوبر لا تنسي ، وأعتبرها تاريخ ميلاد ثاني لي.

 

قاتلنا في أحضان جبل عتاقة ، وقمت بجمع بعض الشاردين من قوات أخري، ورغم مرارة الثغرة . انتصرنا ..

 

‏قال لي قائد كتيبة إشارة الجيش الثالث في الظلام الدامس تحت جبل عتاقة :” لقد شهدت النكسة.ويبدو انها تتكرر “،أجبته بألم وحماس :” لو وقف كل مقاتل وحارب في ١٩٦٧ لما حدثت النكسة ، سنقف يا افندم هنا ونقاتل حتي نموت “. احتضنني باكيا.وانا اطلب منه أن يكون قائد القوات الشاردة التي جمعتها وقمت بتوزيعها بشكل نسق قتالي .

 

‏في المساء اشتدت غارات العدو بعد ان تمكن من تحييد قواعد الصواريخ،اشتبكنا مع مدرعة ١١٣ كانت تصوب كشافها نحو جبل عتاقة بغرض جمع أسري.تمكن محمد عبد الفتاح من اصابتها بطلقة ار بي جي.

 

تحولت المنطقة التي تواجدنا فيها إلي جحيم بينما كان رتل مدرع ضخم يزحف في اتجاه الأدبية.

 

رحم الله رجالي ..

 

‏ورغم العمليات التي شاركت فيها منذ ٦ أكتوبر، فأن خسائر وحدتي الأكبر كانت في اليومين اللذين يفترض أنهما بعد قرار الأمم المتحدة بوقف القتال.وكانت إصابة ساقي اليسري بشظية أيضا،رغم أن كل الطلقات والقذائف أخطأتني طوال أيام الحرب.

 

في الفجر علي طريق مصر السويس ومعي من تبقي علي قيد حيا.

 

‏كانت هناك سيارات نقل ضخمة وسيارات إسعاف تطير علي الطريق حاملة جرحي وجثث في اتجاه الخلف.

 

رفض قائد النقل الزميل الوقوف لأن سيارته مكتظة بالجرحي، وكنت أريد نقل الجرحي من جنودي . قمت بتوجيه البندقية إليه مهددا بجدية .فوقف ، ودهش عندما رفضت أن يحملني مع الجرحي رغم نزيف ساقي الغزير .

 

‏بعد مرور سنين ، وأثناء خدمتي في الخارجية وفي مدريد / اسبانيا ،كنت مدعوا للعشاء في منزل زميلة في الخارجية وكانت متزوجة حديثا .

 

شعرت منذ اللحظة الأولي أنني قابلته من قبل، وكذلك شعر هو وبدأنا نسترجع أيام الدراسة وغيرها، حتي قال لزوجته فجأة” أنه هو الذي رويت لك عنه وكان سيقتلني.. ”

 

‏كان هو ضابط الاحتياط الذي كان يقود بنفسه سيارة النقل علي طريق السويس ينقل الجرحي والجثث . نهضنا متعانقين بين دهشة ضيوف زميلتي العزيزة من الأسبان.

 

وجلسنا نتذكر ..

 

لقد فارق الحياة أخيرا ، ولكنني كلما تحدثت مع زميلتي ، نتذكر السويس ، وتلك الليلة في مدريد .

 

رحم الله أحمد ناصر .

 

‏بقي أن أضيف أن هذا البطل ، كان ينقل الجرحي والجثث تحت القصف الشديد للعدو ، وكان يقوم بهذه الرحلة الخطيرة ذهابا وأيابا متعرضا لموت مؤكد.ولم يكن مكلفا بكل هذه الرحلات ، رحمه الله انقذ أرواحا كثيرة ، ورغم أنه لم يكن مقاتلا، لكنه ادي ما يزيد عن بطولات أي مقاتل.

 

‏وطوال السنين الماضية احتفل بيوم ٢٣ أكتوبر بوصفه عيد ميلاد ثان لي ، ويكون مناسبة أتذكر فيها ما حدث وما يحدث وما أتمني أن يحدث.

الكاتب

معصوم مرزوق

 

 


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات