الترهيب والترغيب قبيل مفاوضات فيينا

كتابات | 228 | 11:35 م

الترهيب والترغيب قبيل مفاوضات فيينا

بغداد تايمز

كثافة التفاعلات التى أخذت تتوالى خلال الأيام الماضية وخاصة منذ إعلان إيران قبولها العودة إلى مائدة المفاوضات فى فيينا فى جولة سابعة يوم 29 نوفمبر الجارى تؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المنطقة، وأعنى هنا إقليم الشرق الأوسط، مقبلة على أحداث ساخنة قد تكون الحرب هى أحد سيناريوهاتها وقد تكون هناك سيناريوهات أخرى لا تقل خطراً نظراً لإدراك كل الأطراف المعنية بتلك المفاوضات المرتقبة أن فرص التوصل إلى حل توافقى يحقق مصالح كل الأطراف يبدو عسيراً نظراً لاتساع الفجوة بين مصالح ومطالب هذه الأطراف خاصة إيران والولايات المتحدة، ونظراً لوجود طرف ثالث كل ما يهمه هو إفشال هذه المفاوضات، وإقناع الولايات المتحدة باتباع الخيار البديل (الخيار باء) استعداداً لفشل المفاوضات المرتقبة. هذا الطرف الثالث هو إسرائيل التى تضغط على واشنطن لعدم العودة إلى الاتفاق النووى الذى انسحبت منه إدارة الرئيس الأمريكى السابق دونالد ترامب عام 2018، والأخذ بخيار “الحل العسكرى” كبديل للحل الدبلوماسى.

يبدو أن الأمريكيين والإيرانيين، حتى الآن، يمتلكان إرادة التوصل إلى حل يعيدهما مجدداً إلى الاتفاق النووى لكن كل منهما حريص على أن يخوض “اللعبة” بكل أدواتها من خلال المزج بين الترغيب والترهيب للوصول إلى نقطة توازن بين المصالح، فى ظل وجود قناعة لدى الولايات المتحدة بأن إيران صاحبة مصالح كبرى فى العودة الأمريكية للاتفاق، وفى ظل وجود قناعة إيرانية بأن الولايات المتحدة، خاصة فى ظل الإدارة الديمقراطية الحالية، ليست صاحبة مصلحة فى التورط فى حرب مع إيران، لذلك نلحظ الحرص الشديد للطرفين الأمريكى والإيرانى على المزج بين الاعتدال والتشدد أملاً فى الوصول إلى “نقطة توازن مصالح” تصل بالأطراف المفاوضة إلى بر الأمان .

فالولايات المتحدة حرصت على إفشال مسعى إيران لعقد اجتماع فى بروكسل مع مسئولى الاتحاد الأوروبى لمناقشة مسودة اتفاق جرى إعدادها فى يونيو الماضى، كان هدفه خلق قناعات مشتركة بين إيران والدول الأوروبية الثلاث الشريكة فى الاتفاق النووى (فرنسا والمانيا وبريطانيا) للاستعداد لخوض جولة المفاوضات السابعة فى فيينا، فعلى العكس كانت واشنطن حريصة على عقد اجتماع بديل بينها وبين هذه الدول فى باريس سبقته جولة موسعة للمسئول الأمريكى عن الملف الإيرانى روبرت مالى شملت ثلاثة بلدان خليجية (السعودية والإمارات وقطر)، وزار قبلها إسرائيل “لبلورة خطة للتعامل مع إيران ودراسة السيناريوهات المحتملة”.

وأعلنت وزارة الخارجية الفرنسية التى استضافت الاجتماع الخماسى الذى ضم مديرى وزارات الخارجية فى فرنسا وألمانيا وبريطانيا إضافة إلى الوسيط الأوروبى روبرت مالى المكلف بالملف الإيرانى فى الخارجية الأمريكية، أن الأطراف الستة الموقعة على اتفاق إيران النووى لعام 2015، بما فيهم الولايات المتحدة “مستعدة لاستئناف المفاوضات من النقطة التى توقفت عندها فى يونيو 2021، بحيث يتم التوصل سريعاً إلى اتفاق يتيح عودة إيران إلى احترام التزاماتها فى الاتفاق، وكذلك الولايات المتحدة”.

بعد هذا الاجتماع بادرت وزارة الخارجية الأمريكية على لسان نيد برايس المتحدث باسمها بطرح ما يمكن اعتباره “مكاشفة أمريكية” لما تريده واشنطن من جولة المحادثات السابعة المقبلة فى فيينا.

فى هذه المكاشفة أوضح نيد برايس أنه بموجب شروط اتفاق عام 2015 ، ثمة بنود تنتهى صلاحيتها بعد 15 عاماً من ذلك التاريخ وأخرى بعد 20 عاماً، وكذلك بعد 25 عاماً، مضيفاً أن “الشرط الأكثر أهمية هو أن إيران لا تستطيع أبداً امتلاك سلاح نووى، وهذا شرط لا ينتهى أبداً”. كما أوضح أن الاتفاق وضعت “آلية يمكن التحقق منها لضمان عدم قدرة إيران أو السماح لها بامتلاك سلاح نووى”، معبراً أن “العودة المتبادلة من الأمريكيين والإيرانيين إلى الامتثال للاتفاق هى (أكثر الوسائل فاعلية لإعادة البرنامج النووى الإيرانى إلى المربع الأول الذى كان فيه قبل سنوات، أى بعد البدء فى تنفيذه عام 2016)”. لكنه لم يكتف بذلك وقال “أن هذه (أى العودة المتبادلة) هى الخطوة الأولى”. مشيراً إلى أنه هناك قضايا أخرى يجب أن تطرح على مائدة التفاوض مشيراً إلى أنها “قضايا لا تهم الولايات المتحدة فحسب، بل تهم حلفاءنا وشركاءنا فى المنطقة أيضاً”.

وعقب اجتماع باريس الخماسى المشار إليه قال الشخص نفسه أى نيد برايس “نحن لسنا متفائلين ونحن لسنا متشائمين”، وشدد على أن الانتظار الأمريكى “ليس ممارسة يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية”، معبراً عن أنه “لا تزال هناك طريق للدبلوماسية” بوصفها “الخيار الأفضل والأكثر فاعلية” مشيراً إلى أنه “إذا فشلت الدبلوماسية فنحن مستعدون للانتقال إلى خيارات أخرى، وهذا جزء من المشاورات المكثفة التى نجريها مع حلفائنا وشركائنا فى المنطقة وخارجها”. ولعل هذا ما يفسر مشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات والبحرين فى مناورة عسكرية بمياه البحر الأحمر وباب المندب وخليج العقبة ، بهدف تأكيد مصداقية عزم واشنطن على “الخيارات البديلة”.

إيران التى تتابع ذلك كله تحركت هى الأخرى بالدبلوماسية مع التلويح بالحزم والحسم فى آن. فقد أجرى وزير خارجيتها اتصالات مع نظرائه فى روسيا والصين ، وقام نائبه المسئول عن ملف المفاوضات على باقرى كني بجولة بدأت يوم الثلاثاء (9/11/2021) زار خلالها عواصم الدول الأوروبية الثلاث الشريكة فى الاتفاق النووى (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) التقى بعدها فى مدريد بمنسق الاتحاد الأوروبى فى مفاوضات فيينا انريكى مورا الجمعة الماضية (12/11/2021)، استهدفت هذه الجولة بحث سبل إنجاح المفاوضات القادمة. وبالتزامن مع هذه الجولة أدلى على باقرى كني بتصريحات صحفية أكد فيها حرص إيران على التزام كل الأطراف بالنص الحرفى للاتفاق الموقع عام 2015 ورفض دعوة توسيعه ليشمل ملفات أخرى وقال أن الاتفاق النووى لعام 2015 لديه إطار محدد وليس له علاقة بقضايا أخرى منوهاً إلى أن بلاده “لن تتفاوض بشأن قدراتها الدفاعية” وقال فى حديث لصحيفة الجارديان أن “إيران بحاجة إلى التزام الولايات المتحدة بعدم الانسحاب مرة أخرى من الاتفاق النووى”. فى ذات الوقت رفض العميد أمير على حاجى زاده قائد القوة الجوفضائية فى الحرس الثورى أى تعرض للقدرات الصاروخية وسلاح الطائرات المسيّرة الإيرانية، ورد على التهديدات الإسرائيلية لإيران بقوله موجها كلامه للإسرائيليين “يمكنهم أن يبدأوا بالاعتداء علينا لكن النهاية ستكون بيدنا، وهذه النهاية هى تدمير الكيان الصهيونى” وحذر قائلاً “فى حال قدموا لنا الذريعة (….) سيكونون بالتأكيد يسرّعون من تاريخ تدميرهم”.

هذا السجال الأمريكى – الإيرانى لم تشأ إسرائيل أن تكون بمعزل عنه حيث حذر الجنرال عاموس يادلين الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية (أمان) والرئيس السابق لمعهد أبحاث الأمن القومى من أن “العودة للاتفاقية (الاتفاق النووى لعام 2015) الآن دون تعديلها، أخطر بكثير مما كانت عليه عام 2015، وإذا استمر الإيرانيون بتطوير برنامجهم النووى فستجد إسرائيل نفسها فى موقف إشكالى يجب أن تفكر فيه فى اتخاذ إجراء أنشط، بينما لا تزال القوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة تتفاوض مع إيران”.

قائد الجيش الإسرائيلى الجنرال أفيف كوخافى أكمل كلام عاموس يادلين بالتأكيد على أن المناورات التى تجرى حالياً والتى تشمل جميع الأسلحة تهدف إلى تسريع الخطط للتعامل مع أى تصعيد عسكرى إيرانى أو تهديد نووى.

هذه هى المرة الأولى التى يستخدم فيها الجنرال كوخافى تعبير “تهديد نووى إيرانى” تهديد صريح للحليف الأمريكى بعدم التورط فى تقديم أى تنازلات لإيران ، على النحو الذى عبر به مايكل أورين السفير الإسرائيلى السابق فى واشنطن أنه “يجب على إسرائيل أن توضح بشكل لا لبس فيه أنها لا تستطيع أن تتسامح مع تحقيق إيران امتلاك القدرة التى تمكنها من صنع الأسلحة النووية، وأن توضح أيضاً بشكل لا لبس فيه أن أى اتفاق مع إيران يجب أن يعيق طريقها بشكل فعال لامتلاك أسلحة نووية ، تهديدات توحى بأن إسرائيل تدفع حلفاءها نحو منزلق الخطر وتفجير مفاوضات فيينا قبل أن تبدأ، لأن هذا يعد مصلحة إسرائيلية ، فهل ستنقاد واشنطن إلى هذا المنزلق نحو هاوية غير محسومة النتائج؟

 

الكاتب الدكتور

محمد السعيد ادريس


Advertisement



© Baghdad-Times.net 2021

التعليقات